
سياحة الترانزيت… حين تتحول “ساعة انتظار” إلى صناعة بمليارات
بقلم معتز صدقي
في عالم الطيران الحديث، لم تعد المطارات مجرد نقاط عبور بين رحلتين.
بل أصبحت بعض الدول تبني اقتصاداً سياحياً كاملاً على شيء بسيط جداً: مسافر لم يكن ينوي زيارتك أصلاً… فأقنعته أن ينزل من الطائرة.
هذا هو تعريف سياحة الترانزيت.
سائح لا يحمل في ذهنه اسم بلدك كمقصد نهائي،
لكنه يملك شيئاً أثمن من ذلك:
وقت ضائع بين رحلتين… وفضول.
كيف ربحت إسطنبول ودبي وأبوظبي من “الذين لم يقصدونا”؟
إسطنبول
تركيا فهمت المعادلة مبكراً:
مطار عملاق + موقع جغرافي ذكي + تأشيرة مرنة = سائح بالصدفة.
مسافر من آسيا لأوروبا، أو من الخليج لأمريكا،
يتوقف ١٢ أو ٢٤ ساعة في إسطنبول.
يخرج يتناول طعام ، يتسوق، يزور البوسفور، ينام ليلة، يشتري هدايا…
ثم يكمل رحلته وهو يقول:
“لازم أرجع تركيا مرة تانية”.
تركيا ربحت:
فندق + مطعم + مواصلات + تسوق + صورة ذهنية إيجابية.
من شخص لم يكن في الحسبان أصلاً.
دبي
دبي ذهبت أبعد من ذلك.
لم تكتفِ بتأشيرة الترانزيت… بل صنعت تجربة كاملة:
جولات منظمة من المطار
باقات “Stopover” مع الفنادق
تسوق خلال ٢٤ ساعة
حملات دعائية موجهة لمسافري الترانزيت تحديداً
النتيجة؟
ملايين الدولارات سنوياً من مسافرين كانوا سيمضون الوقت في صالة انتظار.
أبوظبي
اتبعت نفس المدرسة ولكن بأسلوب مختلف:
ثقافة، متاحف، هدوء، تجربة راقية قصيرة.
اللوفر أبوظبي وحده يستقبل آلاف الزوار
الذين لم يضعوا أبوظبي أصلاً على خريطة سفرهم.
أجمل ما في سياحة الترانزيت أنها لا تشترط أن تكون الدولة مقصداً سياحياً عالمياً.
يكفي أن تكون إنما محطة طيران ذكية
تأشيرة سهلة أو مجانية و تجربة بسيطة ومنظمة
وايضاً إحساس بالأمان والراحة
العميل لا يبحث عن “رحلة العمر”…
هو يبحث عن قهوة جيدة، سرير نظيف، مشهد جميل، صورة إنستجرام.
مصر الآن على أول الطريق… بقرار ذكي جداً
قرار مصر بتمديد تأشيرة الترانزيت المجانية 96 ساعة
وتأشيرات الطوارئ في الأقصر وأسوان
ليس قراراً سياحياً فقط…
بل قرار اقتصادي بحت.
لأن كل مسافر ترانزيت ينزل مصر =
عملة صعبة بدون أي تكلفة تسويقية تقريباً.
هو جاء بالفعل الطائرة موجودة المطار موجود.
كل ما نفعله أننا نفتح له الباب.
الحقيقة التي لا يقولها أحد بصراحة
سياحة الترانزيت هي أرخص سياحة في العالم من حيث التسويق، وأعلى عائد من حيث السرعة.
لا تحتاج حملات دولية ضخمة.
لا تحتاج إقناع طويل.
العميل موجود أمامك… فقط قرر أن تحتضنه.
من ينتظر الطائرة… قد يصبح سفيرك السياحي
أخطر ما في الموضوع ليس المال فقط.
بل الصورة الذهنية.
مسافر يزورك “بالصدفة”
ثم يكتب عنك على إنستجرام أو تيك توك أو لينكدإن.
هذا أقوى إعلان سياحي في العالم.
أقوى من أي حملة رسمية وأصدق من أي فيديو دعائي.
في ٢٠٢٦ و ٢٠٢٧
الدول التي ستكسب ليست فقط من “يجذب السائح”،
بل من يعرف كيف لا يتركه يمر دون أن يلمس أرضه.
سياحة الترانزيت ليست ترفاً.
هي علم، واستثمار، وفلسفة جديدة في فهم السفر.
ليس المهم أن تكون “الوجهة النهائية”…
المهم ألا تكون مجرد محطة صامتة في طريق الآخرين.





