
الخواطر الرجبية…. سلسلة المفسرين
سلسلة المفسرين
ما هي مناهج المفسرين؟
بقلم د./ محمد رجب
مناهج المفسرين أو اتجاهات المفسرين أحد علوم القرآن الكريم ، و يُقصد به معرفة طرق المفسرين و اتجاهاتهم التي ساروا عليها و التزموها في تفسير القرآن. ، وله أهمية في إبراز القيمة العلمية للتفسير، و إبراز إيجابيات التفسير وكيفية الاستفادة منها. وبيان الملاحظ على التفسير ليتجنبها القارئ.
مناهج المفسرين:
مناهج المفسرين أو اتجاهات المفسرين أحد علوم القرآن الكريم ، و يُقصد به معرفة طرق المفسرين و اتجاهاتهم التي ساروا عليها و التزموها في تفسير القرآن.[1]، وله أهمية في إبراز القيمة العلمية للتفسير، و إبراز إيجابيات التفسير وكيفية الاستفادة منها. وبيان الملاحظ على التفسير ليتجنبها القارئ.[2][3]
ببيان المناهج التفسيرية صحيحها وسقيمها ، وتُبيّن الفرق بين المنهج التفسيري والاهتمام التفسيري ، فأُصول المنهج لا تتعدّى عن أصلين :
أ. التفسير بالعقل.
ب. التفسير بالنقل.
لكنّ لكلّ صوراً :
أمّا الأوّل فصوره عبارة عن :
١. التفسير بالعقل الصريح.
٢. التفسير على ضوء المدارس الكلامية.
٣. التفسير على ضوء السنن الاجتماعية.
٤. التفسير على ضوء العلم الحديث.
٥. التفسير حسب تأويلات الباطنية.
٦. التفسير حسب تأويلات الصوفية.
أمّا الثاني فصوره عبارة عن :
أ. تفسير القرآن بالقرآن.
ب. التفسير البياني للقرآن.
ج. تفسير القرآن باللغة والقواعد العربية.
د. تفسير القرآن بالمأثور عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام.
فهذه الصور العشر من فروع المنهجين الأصليّين
تعريف مناهج المفسرين:
تعريف منهج لغة:
(نهج) الطريق نهجا ، ونهوجا : وضح واستبان ومنهج الطريق وضوحه.و (المنهاج) كالمنهج ، وفي التنزيل (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً) من الآية 48 سورة المائدة. والمنهاج الطريق الواضح واستنهج الطريق صار نهجاً. يُقال :هذا نهجي لا أحيد عنه.
تعريف منهج اصطلاحاً
المنهج هو الطريق الواضح في التعبير عن أي شيء أو في عمل شيء أو في تعلم شيء طبقاً لمبادئ معينة وبنظام معين بغية الوصول إلى غاية معينة .[4]
تعريف مناهج المفسرين
هي الخطة المحددة التي وضعها المفسر عند تفسيره للقرآن الكريم، والتي انعكست على تفسيره الذي كتبه، وصارت واضحة فيه، وهي على قواعد وأسس، وتتجلى في أساليب وتطبيقات.[5] أو هو ذلك العلم الذى يبحث فيه عن طرق المفسرين، في تناولهم بيان المراد من النص القرآني ، والحكم على كل طريقة من طرق هؤلاء المفسرين، بالصواب أو الخطأ، كما يبحث فيه عن تتمات لا بد منها، تتعلق بالتفسير والمفسرين، كتعريف التفسير، وأقسامه، ومصادره، وشروطه، وفائدته، ووجه الحاجة إليه، والفرق بينه وبين التأويل، وغير ذلك.[6]
المصطلحات المرادفة:
أساليب التفسير:
للمفسرين في التفسير أساليب أربعة هي: التفسير التحليلي: وهو الأسلوب الذي يتتبع فيه المفسر الآيات حسب ترتيب المصحف سواء تناول جملة من الآيات متتابعة أو سورة كاملة أو القرآن الكريم كله، ويبين ما يتعلق بكل آية من معاني ألفاظها، ووجوه البلاغة فيها وأسباب نزولها وأحكامها ومعناها ونحو ذلك.
وبعض الباحثين يطلق على مناهج المفسرين “اتجاهات المفسرين” ، و يرى بعض الباحثين أن الاتجاهات و المناهج مترابطة ، لكن الأولى الفصل بينهما ، فالمنهج هو الطريقة ، أما الاتجاه فيبحث في الوجهة العلمية للمفسِّر. فمثلاً تفسير “البحر المحيط ” لأبي حيان الأندلسي يغلب عليه الاتجاه النحوي ، وليس معنى هذا أن تفسيره ليس فيه فقه أو لغة أو أثر.[7]
أهميته:
مناهج المفسرين تقدم للباحث القواعد والآداب والضوابط والتوجيهات التي لابد منها في علم التفسير، كما تقدم له الأسس المنهجية الموضوعية التي لابد من الانطلاق منها في عالم التفسير، وهي تحدّث الدارس عن نشأة علم التفسير، ومدارس التفسير واتجاهاته في العالم الإسلامي، وتعرفه على أشهر التفاسير وأئمة المفسرين، وتحدد له مناهجهم وطرائقهم في التفسير، وبذلك يكون للدارس إلمام بعلم التفسير ورجاله وتراثه ومناهجه، وهذا يحفزه على الدراسة المفصلة لكتب التفسير.[8]
فوائد البحث في مناهج المفسرين:
إبراز القيمة العلمية للتفسير، فنعرف ما الذي يمكن أن نستفيده من هذا التفسير دون غيره، وهل هو تفسير مهم أم أن غيره يغني عنه.
إبراز إيجابيات التفسير وكيفية الاستفادة منها.
إبراز الملاحظ على التفسير ليتجنبها القارئ.
إبراز الفروق في العلوم التي يطرحها كل مفسر.
إبراز الفروقات بين الاتجاهات العلمية في التفسير سواء كانت فقهية أو علمية.
معرفة الطريقة التي سار عليها المفسر والاستفادة منها.
كشف الاتجاهات المنحرفة في التفسير.[2][3].
نشأة مناهج المفسرين:
أول من كتب معرّفاً بالتفاسير وأصحابها هو محمد حسنين الذهبي في كتابه ( التفسير والمفسرون) في بداية الأربعينيات ،استعرض فيه أهم التفاسير و مناهج أصحابها منذ عصر الصحابة حتى العصر الحالي.[9]
أشهر المؤلفات في مناهج المفسرين:
١- بهجة الناظرين في مناهج المفسرين ، توفيق علوان ، مكتبة الرشد، الطبعة الأولى (1426هـ) ،
٢- التفسير والمفسرون ، محمد حسين الذهبي .(طبع في عدة دور) .
٣- مناهج المفسرين ،إبراهيم بن صالح بن عبدالله الحميضي، دار ابن الجوزي – الدمام،(1440هـ).
٤- تعريف الدارسين بمناهج المفسرين ، صلاح عبد الفتاح الخالدي ، دار القلم -دمشق ، (1429 هـ -2008م).
٥- بحوث في أصول التفسير ومناهجه ، فهد الرومي ، مكتبة التوبة ، 1419 هـ.
٦- مناهج المفسرين (القسم الأول : التفسير في عصر الصحابة )، مصطفى مسلم ، دار المسلم.
٧- مناهج المفسرين ، أحمد بن محمد الشرقاوي ، مكتبة الرشد.(2004).
٨- مناهج المفسرين من العصر الأول إلى العصر الحديث، محمود النقراش السيد علي، مكتبة النهضة.
٩- مناهج المفسرين ، منيع عبد الحليم محمود، دار الكتاب المصري.
١٠- مناهج المفسرين ، مساعد مسلم آل جعفر، دار المعرفة.
١١- اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر الهجري ، فهد بن عبد الرحمن الرومي ،طبع فى عدة دور منها مؤسسة الرسالة ، 1407 هـ .
١٢- المفسرون مدارسهم ومناهجهم، فضل حسن عباس، الطبعة الأولى، 1427هـ، دار النفائس.
١٣- التفسير والمفسرون في العصر الحديث ،عبد القادر محمد صالح ، مطبوع في 492 صفحة ، دار المعرفة .
١٤- دراسات ومباحث في تاريخ التفسير ومناهج المفسرين ، حسن يونس حسن عبيدو ، مركز الكتاب للنشر ، القاهرة .
١٥- التفسير والمفسرون في العصر الحديث ،عبد القادر محمد صالح ، دار المعرفة .
١٦- التفسير والمفسرون في غرب أفريقيا ، محمد بن رزق بن طرهوني ، دار ابن الجوزي .
١٧- مذاهب التفسير الإسلامي للمستشرق جولد زيهر ترجمة ، عبد الحليم النجار ، دار اقرأ ، بيروت .
وسائل معرفة اتجاهات المفسرين:
معرفة منهج المفسر تحصل بوسائل متعددة من أهمها:
١ قراءة مقدمة أو خطبة المفسِّر ، فبعض المفسرين يذكر منهجه في التفسير في مقدمة تفسيره.
٢- قراءة الكتاب ومعرفة الاتجاه بالاستقراء.
٣- قراءة الكتب المؤلفة في اتجاهات التفسير .[10].
مناهج المفسرين:
التفسير بالمأثور.
التفسير الأثري النظري.
التفسير بالرأي المحمود
التفسير بالرأي المذموم
التفسير الصوفي النظري[11]
ويذكر بعض الباحثين أبرز اتجاهات التفسير في العصر الحديث :
الاتجاه الأثري.
الاتجاه العلمي.
الاتجاه العقلي.
الاتجاه التوفيقي.
الاتجاه الدعوي.[12]
وهناك من المفسرين من يغلب في منهج تفسيره إيراد فن من الفنون مثل :
مسائل الإعراب و ذكر الخلافات النحوية : كالزجاج و الواحدي و أبي حيان.
ومنهم من عُنِيَ بتقرير الأدلة الفقهية والرد على من خالف مذهبه كالجصاص.[13]
مناهج التفسير القرآني عند الشيعة …
مقدمة تمهيدية
بما أن الغاية العليا للقرآن الكريم تتمثّل في هداية الإنسان وإيصاله إلى كماله الذي خلق من أجله وتعريفه بالمنهج الذي يحقّق له ذلك عِلْماً وعملاً، فليس مقصود الأعلام من استعراض الأنحاء الاعجازية بمختلف أنواعها، من البلاغية والعلمية والقصصية وغيرها، وتأليفهم الكتب التفسيرية فيما يرتبط بها قصدها بما هي هي أولاً وبالذات؛ بل المقصود جعلها جسراً تصب في هداية الإنسان وإيصاله إلى كماله الذي خلق من أجله كما يستفاد من قوله تعالى: { قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ } [المائدة: 15]، وقوله تعالى: { يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [المائدة: 16].
فما يُذكر في بعض الكتب من تدقيقات إنّما هو من أجل التعمّق العلمي ومن باب التدبّر في أعظم كلام لمتكلّم، والتعامل معه مع ما يتناسب مع عظمته بقدر المستطاع، ولكن لا ينبغي الخروج عن الهدف الأسمى، بتطبيق كبريات لعلوم على القرآن بحيث تنعكس القاعدة، فتكون تلك العلوم هي المقصودة أولاً وبالذات، ويكون القرآن في معرض تطبيقها من أجل تأييد مطالبها فحسب، كما هو واقع في جملة من التفاسير، فيكون تفسير القرآن تبعاً لتلك العلوم، وتنقلب القاعدة، فبدلاً من أن يكون القرآن متبَعاً (بالفتح) يكون متبِعاً ( بالكسر) وبدلاً من أن يكون هداية لجميع الناس يكون مورداً لتطبيق العلوم الأخرى لأجل أن يخدم علومهم.
ما مدى الاستفادة بالعلوم في تفسير القرآن:
نعم، يمكن الاستفادة من جميع العلوم المرتبطة بالقرآن، ومن كلّياتها، بعد فهم ما يطرحه القرآن أولاً، ثم تقريب المباني المرتبطة بها بما ينسجم مع القرآن، ومع هدفه الأسمى؛ لأن في ذلك بالغ الأثر على أهل الاختصاص في تلك العلوم، إذ يكون تأثيره عليهم أشد، واقناعه لهم أوقع من تأثيره على عامة الناس.
وقد تحقق ذلك لعلماء البلاغة لما تجلى لهم الإعجاز القرآني البلاغي، فلما وجدوا عظمته البلاغية جعلوه المقياس والميزان للقواعد البلاغية، وتمييز صحيحها من سقيمها، وعاليها من دانيها، ولو تجلى للبشر في بقية العلوم الأخرى بمقدار ما تجلى لهم من الإعجاز القرآني البلاغي التي تعرض لبعض أحكامها القرآن الكريم لجعلوه الأساس والمعيار فيما تعرض له منها كما جعله علماء البلاغة كذلك. باعتبار أن تلك العلوم بشرية، يقع فيها الخطأ، والقرآن الكريم حق لا باطل فيه، ولا يحتمل فيه وقوع الخطأ البتة، كما يشير إليه قوله تعالى: { ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ } [البقرة: 2]. فينبغي حين إرادة تطبيق قوانين تلك العلوم أن تُطبق ضمن ضوابط موضوعية وقواعد معتبرة مقطوع بها، بحيث تنسجم مع ظهور وروح القرآن ولا تخالفه.
وقد شاهدنا الكثير من التفاسير تُبتلى بالتركيز على ما يتناسب مع تخصصات أصحابها، مبتعدة كل البعد عن الغرض القرآني الأساسي، فبعض التفاسير القصصية تكتب ويُنزّل فيها القرآن منزلة الكتب القصصية، وبعض التفاسير المسمّاة عند أصحابها بالعرفانية أو الفلسفية يُنزّل فيها القرآن منزلة ما كُتب في هذين العِلْمين، وهكذا، وكأنّ الكتاب العزيز نُزّل طبقاً لمبانيهم واختصّ لسانُه بمخاطبتهم فقط.
فالقرآن الكريم، بما أنّه الحقّ المطلق فهو يمثّل الواقع مائة بالمائة لا يكتسب درجة من درجات أحقّيته من غيره من المعارف بمختلف علومها؛ بل هو الحجة لتلك المعارف فيما تعرض له من ذكر بعض أحكامها. بحيث إنها تكتسب شرعيّتها في تلك المعارف؛ لأنّ جميع العلوم البشرية لا تمثّل الواقع مائة بالمائة فكلّها توجب ـ على أكبر تقدير ـ الاطمئنان، أو القطع المشوب باحتمال خطئها؛ فما أكثر ما تبيّن بطلانه منها على مرّ العصور!
مناهج التفسير عند الشيعة ::
من الملاحظ أنّ القرآن الكريم بجميع أنحائه الإعجازية من العِلْمية والقلبية والبلاغية والقصصية والمجموعية والمثلية، يخاطب جميع مُدركات الإنسان، من أجل هداية كل إنسان، من زمانه (صلّى الله عليه وآله) إلى قيام الساعة.
ولكي يتحقق هذا الهدف العام، بنحو شمولي، لا بدّ من ملاحظة أن القرآن صادر من علاّم الغيوب المحيط بجميع المُدركات البشرية، والعالِم بما سيحيطون بالبشر من المعارف والعلوم، وبالطرق التي توجب هدايتهم في جميع الأزمنة والأمكنة؛ فهو يخاطب في كل حديث من أحاديثه وفي كل سورة من سوره، نوع الإنسان، بأصلح خطاب له، المشتمل على ما يؤثر فيه بأبلغ الأثر، فكما أنّه في الحديث القرآني الواحد وفي السورة الواحدة، كثيراً ما يظهر أكثر وجه من الأوجه الإعجازية؛ إذ الإعجاز البلاغي محتم الظهور فيه، فكذا أحد الأنحاء الإعجازية الأخرى على الأقل، فكما يقف العامّي على ما يتناسب مع عِلْمه، فكذا يقف المتخصّص مع ما يتناسب مع تخصصه(1).
ولعلّ عنوان التحدّي بالإتيان بحديث مثله الوارد في الكتاب العزيز { فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ } [الطور: 34] ناظر إلى مفهوم من مفاهيم، التفسير الموضوعي، في قبال ما ورد من التحدّي بالسورة الواحدة، إلا أن الإنسان لقصور مُدركاته، ولجهله بالمنهج الذي يحقق له صلاحه، وللأسلوب الأنفع لهدايته مائة بالمائة، يفضل بعض المناهج، لتناسبها مع تفكيره الخاص بطبقته وأهل تخصصه الذين ينتسب إليهم أو يتناسب مع القضية المبتلاة بها والتي ينتهي أمدها بعد بُرهة زمنية؛ لذا يحاول الفيلسوف أن يجعل من الخطاب القرآني خطاباً فلسفياً، والنحوي يجعله نحوياً ويجعله البلاغي بلاغياً، والطبيب يجعله طبّياً، ويجعله الفقيه فقهياً، وهكذا.
والخطاب الأصلح في نظر أصحاب مختلف التخصصات هو طرح الأبحاث بالنحو الموضوعي فيتناول البحث مفهوماً مفهوماً، توضّح فيه جميع ما يرتبط به، وهذا ما نلاحظه في المؤلفات البشرية في جميع العلوم والمعارف البشرية، مع أن القرآن الكريم كما يخاطب أهل التخصصات جميعاً يخاطب بنفس خطابه عامة الناس؛ بل ويستعمل أسلوباً نافعاً لهدايتهم جميعاً.
فناسب مع هذا الهدف القرآني العام استعمال القرآن أسلوباً يغاير جميع أساليب الكتب البشرية تناسباً مع من صدر منه وهو علام الغيوب ومع هداية جميع طبقات البشرية ذات الرسالة الخاتمة الشاملة لجميع الأفراد على نهج القضية الحقيقية، أن يجعل من الحديث الواحد ومن السورة القرآنية الواحدة تأثيراً عامّاً لجميع الطوائف البشرية وتأثيراً خاصّاً لأهل تخصص من التخصصات على الأقل بحسب ما يدركونه.
كلّ فرد يأخذ من القرآن ما يحتاج إليه:
فالعامّي يأخذ منه ما يتناسب مع شأنه، وأهل التخصصات يأخذون منه ما يتناسب مع معرفتهم، ومن ثم اشتمل على ما يتميّز به، فهو يناسب أهل التخصصات لاشتماله إمّا على موضوعات بذاتها تقتضي ذلك أو بذكر علة تستوجبها أو بختم الحديث باسم إلهي أو أكثر يكمن في مغزاه نحوُ ارتباط نوعي بالمطلب المبحوث عنه أو بذكر صفةٍ بنحو التبشير أو التحذير، أو بذكر مثال يذيّله بنكتة تفيد مطلباً دقيقاً، إلى غير ذلك من الأساليب القرآنية، كما سينكشف لثامه عند بحثه مفصّلاً.
فمِثل القرآن الكريم لم تشهد البشرية ولن تشهد كتاباً من الكتب البشرية امتاز بهذه الميزة التي هي من أسباب ديمومة إعجازه، ومن ثم نلاحظ كيف وصف الله تعالى القرآن الكريم بكونه أحسن الحديث مطلقاً كما في قوله تعالى: { اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } [الزمر: 23]. وما طرح من أسلوب قرآني، عينه طرح في كلمات من هُم عِدل القرآن؛ الرسول الأعظم وأهل بيته(ص)، فالنصوص الصادرة عنهم من هذا القبيل، وما ذلك إلا لاحاطتهم بالكتاب العزيز { قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ } [الرعد: 43] المستتبع لاحاطتهم بما يشتمل عليه من مفاهيم سامية مرتبطة بكل شيء { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ } [النحل: 89].
والإنسان باعتبار محدودية علومه ومعارفه، وتدرّجه في اكتساب المعارف، وعدم معرفته بنفسه معرفة تفصيلية، وعدم احاطته بالخطاب الأصلح والأنفع الذي يلاحظ فيه نوع الإنسان على امتداد وجوده الزماني والمكاني والأطوار التي تعرضه، غالباً ما يبحث عما يناسبه في مرحلة زمانية معينة، فلا يلحظ غيرها ولا يلحظ غيره ممن بزمانه، ومن باب أولى ممن يقيم في غير مكانه، وتشتد الأولوية لمن لم يعاصرهم.
وباعتبار أن تفسير القرآن يكون من أجل التعليم والتعلّم، فناسب أن تُراعى فيه حال المعلّم والمتعلّم، ولما كان غالب حال المتعلّمين من عوام الناس والمتخصصين عدم الاحاطة بالمفاهيم القرآنية، بسبب عدم العناية المطلوبة به، مع ما أمروا من الاعتناء به أشد عناية حتى ورد أمران إلهيّان بقراءته في آية واحدة { فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرآن عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ } [المزمّل: 20]، وعدم التفريط فيها لكي لا تنطبق على أصحابها الآية الشريفة { وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا القرآن مَهْجُورًا } [الفرقان: 30].
لذا حاول الكثير من الأعلام تفسير القرآن تناسباً مع حالهم، إذ لو تنزّل القرآن لحالهم فقط لما كان صالحاً للاتسام بوصف المعجزة الخالدة الصادرة من علاّم الغيوب. ومن هنا برزت ثلاثة مناهج أساسية لتفسير القرآن الكريم، مع وجود مناهج آخرى، لا مجال لطرحها هاهنا:
المنهج الأول: التفسير التجزيئي:
وهو عبارة عن تفسير كلّ آية آية من القرآن الكريم، ومقارنتها مع السورة الواقعة فيها، بجميع الوسائل المتاحة للباحث، أو التي يريد البحث فيها. فينصب البحث فيه عن المدلول اللفظي لمفردات لآية، وقد يتم الاستعانة ببعض الايات الاخرى التي تكشف عنه؛ ولذا قال السيد الصدر (رضى الله) في تعريفه له: “وهو المنهج الذي يتناول المفسر ضمن إطاره القرآن الكريم آية فآية وفقاً لتسلسل تدوين الآيات في المصحف الشريف، ويفسره بما يؤمن به من أدوات ووسائل للتفسير من الظهور أو المأثور من الأحاديث أو بلحاظ الآيات الأخرى التي تشترك مع تلك الآية في مصطلح أو مفهوم”(2).
المنهج الثاني: التفسير الموضوعي:
وهو ان يركز المفسر دراسته على مفهوم من المفاهيم القرآنية، مستهدفاً تحديد الموقف النظري للقرآن الكريم، وللرسالة الإسلامية”(3).
المنهج الثالث: التفسير الموضوعي المجموعي:
وهو أن يلاحظ المفسر العلاقة بين المفاهيم القرآنية، التي بحثها بالتفسير الموضوعي، ويقارن بينها ليقف على التعرّف على نسبة بعضها للبعض الآخر. ويلاحظ ما توصل إليه بالنسبة لروح القرآن الكلي. كما يصنع الفقيه حينما يقرن بين باب فقهي وباب فقهي آخر ثم يلاحظ نسبتها إلى العناوين الأولية.
المنهج التجزيئي:
لقد جرت السيرة العقلائية على أن أهل العرف حينما يلحظون أي نص من النصوص، يلحظون مفرداته أولاً، ثم تركّب مفرداته التي تكوّن جمله ثانياً، ثم يلاحظون الجمل المتكوّنة ويقرنون بعضها مع البعض ثالثاً، ثم تُلاحظ العلاقة بين الجمل والعامل المشترك بينها. فتلحظ جميع مفردات المادة المبحوثة لفظاً ومعنى. فكما طبق هذا المنهج التفسيري على الكتاب العزيز طبق على السنة المطهرة ، ومن مصاديقه ما طبقه الأعلام على أصول الكافي، فجميع الشروح التي تعرضت لتفسير أحاديثه تناولت شرحه رواية رواية، وكذا العديد من الكتب الحديثية فما وقع تطبيقه على القرآن الكريم طبق عليها، فلم يسلط الضوء على أصول الكافي لدراسة موضوعية، بحيث يبحث عن كل مفهوم من المفاهيم الواقعة في رواياته، ومن ثم لم تكن صورة المفاهيم المعرفية واضحة لأصحاب هذا المنهج، بل توجد إشكالات لا يمكن لهم حلها طبقاً للمنهج التجزيئي أو يتعسّر حلّها.
فما يذكر من أسباب نزول لآية من الآيات ، يتناسب مع هذا المنهج، فلا يتعدّى الحكم فيها بيان وجهة النظر عن حكم لقضية خارجية جزئية، مع أن القرآن الكريم لوحظ انطباق آياته على نهج القضية الحقيقية؛ إذ انطباقه على قضية خارجية، لا يعني اختصاصه بها وعدم صحة انطباقه على غيرها إذا توفرت نفس المعايير والملاكات المتوفرة فيها، فيمكن أن تنطبق نفس الآية على مصداق آخر وثالث وهكذا ، بلحاظ ملاك واحد جامع بينها، ومن هنا قالوا إن المورد لا يخصص الوارد، فلا تلحظ خصوصية المورد، بل تلحظ المادة المشتركة بينهما.
وبهذا يصح أن تنطبق آية واحدة على مصاديق متعددة في كل زمان ومكان متى ما صح انطباق المفهوم عليه وتوفرت الشروط في الموضوع الخارجي. فلا ينحصر الموضوع في مصداق معين، وهذا المنهج التعميمي يتناسب مع التفسير الموضوعي الذي لا ينحصر انطباقه على أفراد معيّنة ويقف عند حد محدود، فتنطبق نفس الآية على مصداق غيره، بلحاظ الاتحاد الملاكي المشترك بينها، وعليه يكون القرآن الكريم هو الأبرز تحقّقاً لقاعدة أن المورد لا يخصص الوارد.
وهذا لا يعني أن المفسّرين العاملين بالمنهج التجزيئي لا يلحظون مادة مشتركة أحياناً، تمثّل قاسماً مشتركاً بين أبحاث معيّنة ، كملاحظتهم لآيات الأحكام أو القصص القرآنية؛ إذ لا يخرج ذلك عن المنهج التجزيئي، وإن كانت دائرته أوسع، لعدم بحث مفهوم كلي في جميع القرآن الكريم، لانها لم تدرس كموضوع مستقل، وإنما درست باعتبار وجود الجامع والخصوصية المشتركة.
ولما كان القرآن الكريم يتمتع بهذ الخصوصية، كان منسجماً مع التفسير الموضوعي أكثر من انسجامه مع التفسير التجزيئي، تمشياً مع كونه يجري مجرى الشمس والقمر، وطبقاً لقاعدة الجري والتطبيق. ومن ثم ندرك السر في عدم جعل سبب النزول بالنظر الدقيق علماً من العلوم المرتبطة بالقرآن الكريم.
سلبيات المنهج التجزيئي:
بحسب الاستقراء، يمكن بيان موارد ضعف هذا المنهج بذكر سلبياته، وأهمها:
السلبية الأولى: لا يكشف هذا المنهج عن تمام المعنى القرآني المراد من المفهوم المبحوث عنه، وإنما يكشف عن بعض جهاته أو عن حكم من أحكامه، فلا يصح من خلاله إعطاء نظرة نهائية للشارع المقدّس، ولا يجوز نسبة ما توصل من خلاله له، لعدم ملاحظة القرائن المرتبطة به، سيما المنفصلة، التي تنتجها ملاحظة بقية الآيات التي تتحدث عن نفس المفهوم.
السلبية الثانية: يجعل القرآن محدوداً بحدود معينة من الناحية العلمية والتطبيقية؛ بل لا يمكن تطبيقه في الخارج إلا في مصاديق معينة محدودة، أو ما ذكر من أسباب نزول، مع أن أحكام القرآن عامة صالحة للانطباق “لجريه مجرى الشمس والقمر”.
السلبية الثالثة: ما لم يحط المسلم بالمفاهيم القرآنية إحاطة شمولية تامة، لا يمكنه أن يستفيد من القرآن الكريم كقانون ومنهج كامل يقوده في جميع مجالات حياته الفردية والأسرية والاجتماعية وما ينطوي تحتها من الأحكام الأخلاقية والسياسية والفكرية وغيرها؛ بل لا يمكنه تحديد نظرية قرآنية لكل مجال من مجالات الحياة.
السلبية الرابعة: الابتلاء بإشكالات كثيرة لا حد لإحصائها في جميع المعارف التي تعرّض لها القرآن الكريم؛ إذ لا يخلو الكثير منها من وقوع التعارض غير المستقر، ولا يمكن لهذا المنهج الإجابة عليها جميعها؛ إذ لا يزول تعارضها إلا بعد ضم بعضها إلى البعض الآخر مع ملاحظة السنّة المطهرة المفسرة للآيات القرآنية، سيما التي تمثّل شاهد جمع بينها.
السلبية الخامسة: صار هذا المنهج سبباً من الأسباب التي أوقعت أصحاب المذاهب الفاسدة في المقالات الباطلة، من قبيل نسبة التجسيم للحق تعالى عن ملاحظة بعض الآيات الدالة عليه من قبيل قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ} [القلم: 42] مع أنه لو نظر إلى قوله تعالى: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } [الشورى: 11] لارتفع الإشكال وبان الحق، وهذا الأمر سارٍ في الكثير من الآيات الكريمة.
السلبية السادسة: أبطأ هذا المنهج من الاستفادة من تعاليم القرآن الكريم، علماً وعملاً بالشكل الذي يواكب به حركة المجتمع وحل المشاكل المستجدة فيه.
وحينما لحظ هذه السلبيات الشهيد الصدر عبر عن دور المتبع لهذا المنهج بالمفسر السلبي؛ لأن دور النص فيها دور المتحدث ودور المفسر هو الإصغاء(4)، وعليه نحتاج إلى تفسير تُسدّ به هذا السلبيات.
يلاحظ عليه:
أولاً: لا ريب بأن فهم النص القرآني من أنفع العلوم وأشرفها، تناسباً مع من صدر منه، وأن المفسر للمنهج التجزيئي يبذل ما في وسعه من الإمكانيات العلمية المرتبطة بالقرآن من أجل الوصول إلى أفضل النتائج، ولا شك أن هذا الدور دور إيجابي، فللمفسر التجزيئي الدور الكبير في الوصول لفهم آية آية للكتاب العزيز؛ لأنه بتفسيره لكل آية واستقرائه لمعاني الألفاظ القرآنية من مصادرها، يكون قد وضع الكثير من مقدمات البحث التي تقود من سيتفيد منها ويصيرها لفهم المفاهيم القرآنية، ويبحثها متبعاً التفسير الموضوعي، ومن جهة ما ذكره يكون دوره دوراً سلبياً، لعدم صلاحيته لإبداء النظرية الإسلامية من جهة، وعدم صلاحيته للتطبيق على الواقع المعاش.
ثانياً: نلاحظ أن التفسير التجزيئي تطوّر عبر القرون السالفة، وقد وصل إلى أعلى المستويات في زماننا الحاضر من حيث الكيف والكم، وهذا عامل إيجابي يرتبط بتطوّره العلمي.
ثالثاً: لا يمكن تطبيق المنهج الموضوعي إلا بعد الوقوف على المنهج التجزيئي، فتوقّفه عليه يستلزم أن يكون له دور إيجابي.
رابعاً: إن الدور الإيجابي الذي ذكره إنما يرتبط بجانب التطبيق العملي، وهي مرحلة متأخّرة رتبة عن التفسير الموضوعي، وما أورده على المنهج التجزيئي هاهنا يرد بعينه على المنهج الموضوعي بلا فارق، وما يقوم به صاحب الموضوعي من دور هو عين ما يقوم به صاحب التجزيئي، إلا إن صاحب الموضوعي يبحث عن مفهوم واحد معيّن والخروج بنظرية قرآنية حول المفهوم المبحوث عنه، وصاحب التجزيئي يبحث عن آية آية، ويخرج بتفسير القرآن كلّه، والوقوف على معنى كل آية آية وقوفاً تفصيلياً.
وأما في عالم التطبيق الواقعي ودراسة الموضوعات الخارجية، فالتفسير التجزيئي لا يمكنه أن يطبق على الخارج لعدم وضوح النظرة القرآنية للمفهوم الذي يراد تطبيقه على الموضوع الخارجي، لعدم الوقوف على ما يرتبط به، لوجود آيات أخرى تشكل قرائن تؤثر في فهم المعنى المقصود، والأحكام المترتبة عليه، إلا أن يكون هذا المفهوم من المفاهيم التي لم يتعرّض له إلا في آية واحدة أو تعرضت له آيات متتابعة في موضع واحد، فحينئذ لا يفترق فيه بين المنهجين(5).
إلا أن هذا الكلام موضع تأمل؛ لأن المفهوم حتى لو لم يتعرّض له إلا في آية واحدة، فلا يكفي ملاحظتها للخروج بالمفهوم القرآني؛ بل لا بد من ملاحظة السنّة المطهرة، والأعم الأغلب في السنّة المطهرة وجود نصوص متعدّدة تتحدث عن المفهوم الواحد.
وقوله: “كون دور التفسير الموضوعي إيجابياً، باعتبار أن دور المفسر دون المتكلم” إن كان المراد بصلاحية تطبيقه على الخارج من غير احتياج إلى توسط منهم آخر كالتفسير التجزيئي، فالأمر كذلك، إلا أن التطبيق الخارجي يغاير بحسب التحقق التفسير الموضوعي، وجوداً ورتبة، فلا ينبغي الخلط بين الرتبتين.
خامساً: لا ريب أن المفاهيم القرآنية كانت مطبقة عند المسلمين، طيلة القرون السالفة والقدر المتيقن منها عند أتباع أهل بيت العصمة(عليهم السلام) الآخذين بمعارفهم وعلومهم ممن أحاطوا بجميع مفاهيمه إحاطة كلية، والروايات الصادرة عنهم أكبر دليل على ذلك، فهي بلسان الحكومة التفسيرية ناظرة إلى جميع ما يرتبط بالمفاهيم القرآنية، وعدم تسمية ذلك بعنوان التفسير الموضوعي لا يؤثر ما دام المسمى متحققاً؛ بل هو متحقق في أعلى مراتبه معرفة وتطبيقاً.
سادساً: لا يتحقق التفسير الموضوعي، في المنهج الذي يقتصر فيه على تفسير القرآن بالقرآن بنحو تفصيلي لعدم نظره إلى السنة المطهرة بذلك النحو؛ لأنه لا يحقق الجامع بين القرآن والسنة، ومن ثم لا تتضح للباحث الصورة الواضحة للمفاهيم القرآنية، وبحسب الاستقراء إن ما اغترفه الأعلام من المفاهيم القرآنية بتطبيقهم للتفسير الموضوعي، بل ما بذله السيد الشهيد (رض) من جهود عظيمة في هذا التفسير لا تعد كافية ومستوعبة للنصوص الشريفة الصادرة عن أجداده الطيبين الطاهرين (عليهم السلام)؛ لأن المنهج الذي سلكه كما يحتاج إلى أن يتصدى له من كان مقامه العلمي مقاماً رفيعاً من حيث الكيف، يحتاج إلى جهود مضاعفة بل إلى مؤسسات ضخمة ولا يكفي فيها عمل فرد واحد مهما بلغ لاحتياجه علاوة على ذكر إلى استقراء النصوص الشريفة بنحو لا يقل عن استقراء الكتاب العزيز، لكي يتحقق التمسك بهما معاً.
المنهج الموضوعي:
وهو أن يختار الباحث مجموعة من الآيات تشترك في موضوع واحد(6) ليخرج بمفهوم قرآني سنتي.
ليس المقصود أولاً وبالذات من القرآن الكريم هو الوقوف على مفاهيمه، بل المقصود هو تطبيقها تطبيقاً سلوكياً كما يشير إليه قوله تعالى: { قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ } [المائدة: 15] { يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [المائدة: 16]، { وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [الأنعام: 155].
مميزات المنهج الموضوعي:
الميزة الأولى: إعطاؤه النظرة القرآنية الشمولية الوافية ، من حيث المعرفة ومن حيث السلوك، والتي يمكن تطبيقها على الخارج تطبيقاً عملياً.
الميزة الثانية: بروزه كقانون متكامل يسد جميع الحاجات البشرية، الاجتماعية والأخلاقية والسياسية والعبادية؛ بل وبكل ما يتعلق بالإنسان تكليفاً ووضعاً.
الميزة الثالثة: وضوح قدرة الإسلام على قيادة البشر إلى يوم القيامة وصلاحية الرسالة المحمدية لأن تكون خالدة ما دامت الحياة على الأرض موجودة، وهذا ما لا يمكن تحقيقه بالتفسير التجزيئي.
الميزة الرابعة: عدم وقوع مقدار الخطأ فيه بمقدار النسبة التي يوجبها تطبيق المنهج التجزيئي، بحيث لا تقارن، وهذا واضح لكل من وقف على مجموعة من المفاهيم القرآنية، كالمفاهيم الفقيهة أو العقائدية أو غيرها.
أقسام المنهج الموضوعي:
يختلف حال البحث بحسب الغرض المبحوث عنه، فهو على قسمين:
القسم الأول: المنهج الموضوعي العام.
وهو ما يبحث فيه عن مادة معيّنة، للتعرّف على نظرة الإسلام فيها، من الناحيتين العلمية والعملية.
القسم الثاني: التفسير الموضوعي المجموعي.
وهو أن يجعل التفسير الموضوعي، بعد دراسة جميع المفاهيم القرآنية، مقدمة لفهم النظرة الكلية الشمولية للإسلام، بملاحظة بقية المفاهيم الأخرى، ومدى تأثيرها على هذا المفهوم، كما يصنع في الأبواب الفقهية، فلا يلحظ مفهوم واحد منعزلاً عن بقية المفاهيم الأخرى.
فمثلاً بعد أن يبحث عن مفهوم الجعالة وأحكامها، يبحث عن علاقتها ببقية الأبواب الفقهية، والأحكام المتعلقة بها. وحينئذ يجعل التفسير الموضوعي مقدمة من مقدمات التفسير الموضوعي المجموعي؛ إذ التفسير الموضوعي وإن ارتفعت به الكثير من الإشكاليات وتلاشت به الكثير من نقاط الضعف، التي أوجدها التفسير التجزيئي، إلا أن بعضها ما يزال عالقاً، فكما أن الفقيه حينما يلحظ باباً من الأبواب الفقهية، ولا يقرنه ببقية الأبواب المرتبطة به يحصل هناك جهات غير واضحة وتعارض بين ذلك الباب وبقية الأبواب، ولا يتم إلا بعد مقارنة أحكامها ببعضها البعض والتعرّف على المقدم منها وبأيّ ملاك قدم، فكذا المسألة هاهنا من هذا القبيل.
وكما لا يمكن تحقق المنهج الموضوعي، بالمعنى الأول إلا بعد البحث عن كل آية آية من القرآن بصورة تجزيئية وكذا في السنّة المطهرة المفسرة لتلك الآية بنحو المباشرة أو المرتبطة بها بطريق غير مباشر، بحيث يتحقق الاستقراء التام ضمناً لكل مفردة من المفردات القرآنية، كذلك لا يمكن تحقق البحث عن المنهج الموضوعي بالمعنى الثاني إلا بعد البحث عن كل المادة التي هي بصدد البحث، بحيث يتحقق الاستقراء التام لهذه المادة في جميع الكتاب والسنّة.
وطريق تحقق التفسير الموضوعي، بالقسم الأول إما عن طريق حفظ القرآن أو عن طريق حفظ مضامين آياته أو عن طريق البحث في الكمبيوتر عن المادة المبحوث عنها، والمعنى المرادف لها ويتحصل ذلك بكثرة تلاوة القرآن والتأمل والتدبّر فيه، وطريق تحققه بالقسم الثاني، يحتاج إلى بذل جهود استنباطية من قبيل ما يبذله الفقيه الواقف على جميع ما يرتبط بالكتاب والسنّة من أحكام، الناظر فيه بنظرة مجموعية شمولية.
تطبيق المنهج الموضوعي :
يختلف الحال عند إرادة تطبيق هذا المنهج بحسب المنطلق فيه. وله صورتان:
الصورة الأولى: العمودية. أن يكون المنطلق فيه، من المفاهيم القرآنية، والنظر فيها إلى الموضوع الخارجي العيني. فيراد تطبيق ما استخرج من المفاهيم القرآنية بعد العلم والاحاطة بها علماً وعملاً.
الصورة الثانية: الأفقية. أن يكون المنطلق فيه، من الموضوع الخارجي العيني، والبحث في انطباق أي مفهوم من المفاهيم القرآنية عليها. فيكون البحث في الأولى في التطبيق، وفي الثانية في الانطباق.
وكلا الصورتين تحتاجان إلى توسعة في مقام البحث والتأمل، ولذا بعد أن اصطلح الشهيد الصدر(رض) على الصورتين باصطلاح الأفقية والعمودية(7) ، بين الحاجة إلى ادخال التوسعة على كلا الصورتين بما يناسبهما بقوله: “ولا بد أن نمدده أفقياً على مستوى ما استجد من أبواب الحياة وعمودي وهو الوصول إلى النظريات الأساسية في الشريعة الإسلامية، عبر دراسة المفاهيم القرآنية”(8). فكما أن الموضوعات الخارجية تحتاج إلى متابعة واستقراء والوقوف على المتغير فيهما، كذلك المفاهيم القرآنية لكي تفي بالغرض تحتاج إلى مزيد تأمل وتدقيق بنحو أكثر مما كانت عليه سابقاً، فإن فيها يكمن العلاج لأن الاحكام الإلهية موضوعة على نهج القضية الحقيقية.
فلا يُعدّ البحث عن حلّ مشكلة خارجية وتحديد موضوعها وتشخيصه، سواء الشخصية أو الأسرية أو الاجتماعية، المرتبطة بالقضايا الأخلاقية أو السياسية أو الفقهية أو المعرفية وغيرها، من التفسير الموضوعي؛ لأن هذه المسائل ترتبط برتبة متأخرة عنه، ترتبط بعالم التطبيق، إذ بعد استنباط المفاهيم القرآنية ودراستها بالتفسير الموضوعي، يأتي دور تطبيقها على الخارج، ومن البديهي أن مرحلة التفسير الموضوعي، متقدّم رتبة على مرحلة التطبيق على الموضوعات الخارجية. فلا يمكن ان يؤثر المتأخر في المتقدم بحسب القاعدة، نعم الموضوع الخارجي كلما تعقّد وكان عميقاً، وكانت إشكالاته صعبة، يحتاج الأمر إلى دراسة تفسيرية موضوعية بشكل أعمق، فإذا لم تتحقق في الرتبة السابقة، دراسة للمفاهيم القرآنية المرتبطة به بشكل يتناسب مع عمق القضية المطروحة بالفعل، فلا يمكن أن يوجد لها حل كامل وشامل، فمن ثم كانت العلاقة بينهما علاقة طردية، في كلا الصورتين العمودية والأفقية، فكلّما كان المفهوم قد تم دراسته دراسة معمقة كلّما كان تطبيقه بنحو أدق، ولم يحتج إلى دراسة إضافية واكتفي فيه بما سبق من دراسته، وكلّما كان الموضوع المبحوث عنه محدداً تحديداً دقيقاً سهل تطبيق المفهوم القرآني المناسب عليه، ولمّا كان المعصوم (عليه السلام) محيطاً بجميع المفاهيم القرآنية الموضوعية واقفاً عليها بنحو تفصيلي دقيق كما عبر عنه قوله تعالى: {وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} لا يحتاج إلى تجديد النظر والتدقيق بعد عروض موضوع خارجي جديد مهما كان معقداً، وباعتباره (عليه السلام) مطلعاً على الموضوعات الخارجية اطلاعاً تفصيلياً، بنحو لا يخطأ في علمه وتشخيصه، فلا مجال لأن يعتري الخطأ في تطبيق ما أحاط به على ما شخصه في الواقع الخارجي.
فلا فرق في إحاطة المعصوم (عليه السلام) بين مفهوم قرآني وآخر ولا بين مصداق وآخر، ولا بين تطبيق وآخر. وإنما يحتاج إليها من لم يقف على جميع المفاهيم القرآنية الموضوعية بنحو تفصيلي ولم يقف على معرفة الموضوعات الخارجية بنحو دقيق، بنحو يمكنه تطبيق المفهوم على مصداقه، فيتطوّر عنده التفسير الموضوعي تناسباً مع مقامه العلمي والتطبيقي؛ لأنه لم يصل إلى النتائج التي وصل إليها المعصوم أو على الأقل لم يستوعب المفاهيم القرآنية استيعاباً كلياً، فلم يدقق فيها تدقيقاً كافياً ولم يتأمل فيها تأملاً وافياً، ومن ثم كلّما تغيّر الموضوع الخارجي وتطوّر، بتطوّر العلوم المرتبطة به، ووقف الباحث على معلومات أدق وأعمق كلّما انعكس طردياً على تفسيره الموضوعي، لما يشاهده من الدقّة العظمى للحلول القرآنية للقضايا المستعصية، ومنه ينكشف لنا أن تطوّر علم الفقه من حيث الدقة والجودة في استنباط الأحكام الشرعية، في زماننا عما كان عليه في زمان الفقهاء المتقدمين راجع إليهم وليس إلى المعصوم (عليه السلام) .
ومن أقوى الأسباب التي تعوق عن حل أي مشكلة من المشاكل الفردية أو الاسرية أو الاجتماعية بمختلف أنحائها؛ عدم اطلاع المتصدي على المفاهيم القرآنية تارة وعدم تشخيصه للموضوع الخارجي تارة أخرى، وعدم دقته في تطبيق المفهوم على المصداق ثالثة. وعليه كما لا يحق له نسبة ذلك المفهوم إلى الشارع المقدّس والحكاية عنه لعدم احاطته احاطة كلية، كذلك لا يحق له التصدي لحل قضية إلا بعد إحاطة شمولية كلية، وإلا كان ما يفسد أكثر مما يصلح، كما ورد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ((قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من عمل على غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح))، فهو بإطلاقه يشمله.
وكما يحتاج في أخذ المفاهيم القرآنية إلى الاجتهاد فيها أو أخذها من المجتهد، كذلك في دقة التشخيص للموضوعات الخارجية يحتاج للرجوع إلى أهل الخبرة، وأصحاب التخصصات، ومعرفة أي خبير من أهل الخبرة ينبغي الرجوع إليه، كما هو دأب العقلاء عند التعرّض لحل مشكلة من المشاكل العارضة لهم.
وبهذا تقل عنده نسبة الوقوع في الخطأ علماً وعملاً، وترتقي درجة حجّية ما توصل إليه؛ إذ كما أن العلوم البشرية مبتلاة بوقوع الخطأ فيها وعدم مطابقتها للواقع مائة بالمائة، كما يدل عليه اكتشاف بعض الأخطاء في بعض نظرياتها، والتي كانت تُعدّ في برهة زمنية من المقطوعات التي لا تقبل النقاش، فلا يخلو الأمر من وقوع الخطأ أثناء تشخيص موضوعها الخارجي، أثناء تطبيقها، فيطبّق عليها ما هو مغاير لها.
فكما أن الأحكام الشرعية للفقيه تارة تكون قد استنبط حكمها من قبل، وتارة لم يستنبط حكمها، فهي من قبيل أن تعرض قضية على القاضي الشرعي، فيبحث لها عن حل فيما أحاط به من قواعد القضاء، فيحاول البحث عن الكبرى التي تنطبق على صغراها التي هي محل الابتلاء، فلا تؤثر الموضوعات الخارجية على ما تقرر من كليات في علم القضاء.
وتارة يكون البحث في القضايا المستحدثة والتي يستدعي حل معضلاتها بإعادة النظر والتأمل في النصوص الشرعية بنحو أدق من السابق، وتلقيح بعض أدلتها مع بعضها البعض، وإيجاد النسبة بينها، والتي لم تكن قد بحثت بهذا الشكل من قبل، لعدم الابتلاء بها، كما هو واضح في علم الفقه، فلا يقال إن أدلتها لم تكن موجودة، بل يقال انه لم يستنبط أحكامها بعد.
فلا يحصل تطور في نفس الادلة، كما لا يحصل تطور في القرآن الكريم، بعد التأمل فيه وعرض القضايا الجديدة عليه واستنطاقه لحلها، فكما ان عملية الاستنباط هي التي تتوسع دائرتها لا ادلتها، فكذلك المفاهيم القرانية.
وعليه فكما ان تطور العلوم البشرية المعرفية والعلمية وغيرها تستوجب اعادة النظر والتأمل في المفاهيم القرآنية بنحو ادق مما كانت عليه سابقا، كذلك الامر يجري في الايات القرانية، وهذا السبب هو الذي جعل تفسير القرآن الكريم في الأزمنة المتأخرة يتفاقم كما وكيفا حتى بلغ إلى ما بلغ، وهذا ما نشاهده بين أعيننا، وإلى الجانب الكيفي يشير النص الشريف الوارد حينما سئل علي بن الحسين (عليهما السلام) عن التوحيد قال: ((إن الله عز وجل علم أنه يكون في آخر الزمان أقوام متعمقون فأنزل الله عز وجل { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ } والآيات من سورة الحديد – إلى قوله: {وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} فمن رام ما وراء هنالك هلك)). فهذه السورة والآيات الستة بلغت من عظمتها أنها تشفي همة تعمق المتعمقين في التوحيد، وما ذلك الا لتقدم العلوم، ولذا قال بعض الأعلام: أول ما فسرت من القرآن هذه السورة وهذه الآيات، وكما يقول لم اطلع على هذه الرواية الا بعد تفسيري لهذه السورة ولهدة الآيات فعلمت انني من المتعمقين(9).
ولعل هذا هو مقصود الشهيد الصدر(رض) بقوله: ((فمن هنا كان التفسير الموضوعي قادراً على أن يتطور، لأن التجربة البشرية تثريه من ناحية، ثم الدرس القرآني والتأمل القرآني على ضوء التجربة البشرية يجعل هذا الثراء محوَلاً إلى فهم إسلامي قرآني صحيح(10).
فكما أن لتطور العلوم والمعارف المرتبطة بالتجارب البشرية وبتشخيص الموضوع الخارج، أثراً إيجابياً في تطور الاستنطاق القرآني، والتأمل فيه، في التفسير الموضوعي، كذلك الامر يجري في التفسير التجزيئي، إلا انه لا تحصل صورة واضحة بحسب الأعم الأغلب عن المفهوم المبحوث عنه، بسبب فقدان القرائن الأخرى المرتبطة به، بخلافه في التفسير الموضوعي؛ لأن النظر فيه إلى مفهوم بجميع حيثياته واحكامه، فتكون الصورة فيه واضحة غالباً.
وهذا ما بيّنه الشهيد الصدر(رض) بقوله: ومن هنا كانت نتائج التفسير الموضوعي نتائج مرتبطة دائماً بتيار التجربة البشرية، لأنها تمثل المعالم والاتجاهات القرآنية لتحديد النظرية الإسلامية، بشأن موضوع من المواضيع(11)، فما دام القرآن قادراً على معالجة المشاكل الاجتماعية المستجدة، سيبقى معجزة إلى الأبد، ولا يتحقق ذلك إلا بتطبيق المنهج الموضوعي لا سيما المجموعي منه. ومن هنا استحق هذا المنهج ان يطلق عليه بالمنهج التوحيدي؛ لأنه يوحد بين التجربة البشرية وبين القرآن، لا بمعنى انه يخضع القرآن للتجربة البشرية(12).
وينكشف مما سلف سر ما افاده الشهيد الصدر(رض) بقوله: ((ان التفسير الموضوعي يبدأ من الواقع ويعود إلى القرآن، بينما التجزيئي يبدأ من القرآن وينتهي بالقرآن))(13). لأن الذي يمكن ان يكون صالحاً للتطبيق هو المنهج الموضوعي، ومغزى كلامه الحديث عن الصورة الثانية، باعتبار تجدد الموضوعات الخارجية، وعدم استقرارها على وتيرة واحدة، مما يتطلب من الباحث، التدقيق في دراستها وعد الاعتماد على ما ورثه من موضوعات محددة سابقاً، وهذا واقع بحسب الأعم الأغلب، وواضح لمن استقرأ الأحداث، وكما يقول سيدنا قتيل العبرة (عليه السلام) وهو يتحدث عن الدنيا التي تتغير فيها الموضوعات الخارجية غالبا: “متقلبة باهلها حالا بعد حال”.
مرجحات الموضوعي(14):
المرجح الأول: تمثيله لحالة من التفاعل مع الواقع الخارجي، فالمفسر يبدأ من الواقع الخارجي ثم ينتقل إلى القرآن الكريم ، ثم يعود إلى الواقع الخارجي مرة أخرى بنتاج بحثه داخل القرآن ، مما يجعل القرآن الكريم ملبياً وبشكل مستمر لكل متطلبات الحالة الإنسانية والاجتماعية التي تفرضها حركة التأريخ والحركة التكاملية لهذا الإنسان.
أورد عليه الحكيم(رحمه الله): هذا موجود في التجزيئي أيضاً، وبمراجعة كتب التفسير لمختلف العصور، نجد أن هذه المعالجة للواقع الموضوعي الخارجي في التفسير قائمة وموجودة، وغاية ما في الأمر أن مستوى هذه المعالجة قد يختلف باختلاف المفسر والاثارات التي يثيرها الواقع الموضوعي وقدرة المفسر على معالجة الموضوعات والقضايا المختلفة، ولا ينبغي للفظة (الموضوع) هنا أن تحدد ارتباط مسألة التفاعل مع الواقع الخارجي وما تصدى له الأعلام من ابداء النظرة القرآنية حول المسائل العقائدية خير دليل على حلهم للمشاكل مع اتباعهم للمنهج التجزيئي.
يرد عليه:
أولاً: حينما تحصل المعالجة للموضوعات الخارجية من قبل الاعلام، فإنها لا تتم إلا بالموضوعي، كما هو واضح في باب الفقه، فكما ان الفقيه لا يسوّغ لنفسه الافتاء إلا بعد مطالعة جميع النصوص المرتبطة بالقضية الخارجية، كذلك المفسر العالم لا يحق له ابداء مفهوم قرآني إلا بعد مراجعة الكتاب والسنة والوقوف على ما يرتبط بالمفهوم المبحوث وقوفاً تاماً، فهو وإن اتبع المنهج التجزيئي في التفسير إلا انه اتبع المنهج الموضوعي في التطبيق.
ثانياً: معالجة ذلك لا تتم بالتجزيئي، إذ التجزيئي لا يمكنه أن يكشف عن المفاهيم القرآنية؛ لأن كشفه يرتبط ببعض بالبحث عن آية قرآنية واحدة، من غير أن تلاحظ بقية الآيات والروايات. وإلا كان خلاف تعريفه، إذ المفاهيم القرآنية غير واضحة المعالم فيه، فكيف يحصل فكيف يحصل الانتقال منه إلى الواقع ومن الواقع اليه.
ثالثا: لم ينكر الشهيد الصدر(رض) وجود التفسير الموضوعي مطلقاً، كيف وقد استعمله بنفسه في علم الفقه في شرحه القيم لباب الطهارة على متن العروة الوثقى، وإنما ذكر أن الغالب طرحه بحسب التفاسير الموجودة هو المنهج التجزيئي، وقد ذكرنا سابقاً ان المتبع في علم الفقه ككتاب الجواهر وغيره وعلم الأخلاق ككتاب جامع السعادات(15) ، وعلم العقائد ككتاب نهج الحق، حيث كان من أبحاثه الأدلة على إمامة أمير المؤمنين(عليه السلام).
رابعاً: الفارق بين المنهجين يكمن في أن المنهج الموضوعي ، باعتبار وضوح المفاهيم القرآنية فيه كما هو المفروض، لا يحتاج عند عروض مسالة مستحدثة أو قضية جديدة إلا إلى التأمل في أدلته، والتدقيق فيه واستكشاف العلاج المناسب كما يصنعه القاضي عند عروض قضية جديدة عليه، أما المنهج التجزيئي، فيحتاج إلى توسط التفسير الموضوعي من أجل حل أي قضية سواء مستحدثة أو غير مستحدثة لعدم وضوح المفهوم القرآني المراد تطبيقه عليها، ومثله مثل من يتصدى للقضاء وهو مطلع على النصوص من دون معرفة بالنتائج النهاية، فلم يتعرض إلى علاج تعارضها، ولم يقف على نتيجة المعارضة.
خامساً: إن التفسير التجزيئي لا يمكنه أن يتفاعل مع الواقع الخارجي، لكون نتائجه حول المفهوم القرآني غير واضحة، فلا يمكن ملاحظة أي المفاهيم القرآنية التي تنطبق على هذا الموضوع الخارجي المرتبطة بحيثيات معينة، أما التفسير الموضوعي فانه بعد ان يحدد المفهوم القرآني يحاول حين عروض قضية البحث عما يناسبه، أو التأمل، فيما يناسبه بنحو أدق بعد الوقوف على حيثيات الموضوع الخارجي، وملاحظة المفاهيم القرآنية، وإيجاد التناسب بينها ومن ثم الوقوف على حلها.
سادساً: أن دور المفسر الموضوعي دور الفقيه، فتارة ينطلق من الحكم كما في مرحلة الاستنباط، فيبني حكمه على موضوع مفروض. وتارة ينطلق من الموضوع كما لو أتي إليه باستفتاء يبين فيه موضوع معين، والموضوع تارة قد استنبط حكمه، وتارة لم يستنبط حكمه، ولم يجعل الشهيد الصدر(رض) لفظة الموضوع هي المعيار، وإنما لاحظ اصل المنهج عندهم، مع عدم قدرتهم على التصدي به، وحينما تصدوا كان تصديهم متبعين المنهج الموضوعي، فهم وإن لم يدوّنوه في تفاسيرهم إلا ان احاطتهم بضوابطه في أذهانهم بحكم استحضارهم للآيات والنصوص جعلتهم يتصدّون لحلها، بل حينما أدرك البعض عجزه إما أنه لم يتصد لما يطلبه ببذل الجهد الكبير أو أنه اضطر لأن يبحث القضايا بحثاً موضوعياً مستفيداً من البحث التجزيئي السابق.
المرجح الثاني: الاتجاه التجزيئي أدّى إلى ظهور العديد من التناقضات المذهبية، بخلاف الاتجاه الموضوعي(16).
أورد عليه الحكيم(ره): هذا يشمل المنهج الموضوعي أيضاً، فالكثير من المفسرين في العصور المتأخرة اعتمدوا المنهج الموضوعي ومع ذلك توصلوا إلى نتائج مختلفة ومتناقضة( 17).
يُلاحظ عليه أولاً: كلامنا في المنهج، لا في الجزئيات الحاصلة منه، ولا ريب أن الأعم الأغلب في المنهج التجزيئي ذلك كما أن الأعم الأغلب في المنهج الموضوعي ذلك، وبحسب التتبع. وما يقال إن المنهج التجزيئي حل بعض القضايا، ليس من جهة تطبيقه، بل من جهة اتخاذ المنهج الموضوعي فيه كما أسلفناه مفصلاً، وما يعجز عنه بعض المفسرين ناشئ عن عدم احاطتهم بالمفاهيم القرآنية وعدم فهمهم لها وقدرتهم على تطبيقها، ولذا قد يأتي مفسر آخر يحل ما اختلفوا فيه، فالنقص فيهم لا في أصل المنهج.
وثانياً: وصولهم إلى نتائج مختلفة ناشئ من قدرتهم على الاستنباط، وما توصلوا له من نتائج يكون حجة لكل من كانت له القدرة عليه، وهذا واقع في الفقه، فتالفتاوى مختلفة الا ان هذا لا يمس باصل المنهج الاصولي الذي سلكوه، وحالهم حال الفقيه الذي لا يتمكن من حل التعارض، وياتي فقيه اخر له القدرة على حله.
وثالثاً: التناقضات في المنهج التجزيئي ناتجة منه بسبب عدم وضوح المفاهيم القرآنية، وتمسك البعض ببعض الآيات مع إغفاله عن بعضها الآخر، كما مثّلنا به سابقاً حول القول بالتجسيم.
المنهج الموضوعي للمعصوم (عليه السلام)
باعتبار ان القرآن نزل هداية للجميع، يستفيد منه كلٌّ بحسبه، إما بلا توسّط وسيط كما هو شأن المعصوم (عليه السلام) المحيط بجميع مفاهيمه ومعارفه وظاهره وباطنه، وإما بتوسط وسيط، فالفقيه من أمثال الشيخ الفقيه الصدوق (رض) لا يحتاج في بيان إعطاء مفهوم أن يبحث عنه بحثاً موضوعياً بالطريق التي ينتهجها من يريد البحث في التفسير الموضوعي، لوقوفه على النصوص بنحو الاحاطة، وفي نفس الوقت قدرته على الاستنباط فهو لا يحتاج إلى تأليف كتاب يبين فيه الأحكام الفقهية المرتبطة بالمفاهيم القرآنية والسنتية، لوقوفه على كل رواية رواية ومعرفته التفصيلية بمعتبرها وسقيمها، واحاطته بما يعارضها ووجه حل التعارض فيها، فلا يحتاج إلى تأليف كتاب من لا يحضره الفقيه، بنحو التفسير الموضوعي؛ لأنه وإن طرح المفاهيم القرآنية المرتبطة بالأحكام الشرعية بالتعرّض لذكر النصوص الواردة عنهم (عليهم السلام) إلا انه في عين الحال ناظر إلى الكتاب العزيز بنظر النصوص بلسان الحكومة التفسيرية اليها، واقف على النتيجة النهائية بعد ملاحظة بقية النصوص الأخرى، والذي يحتاج إليه غير الواقف على ذلك، ومن ثم طلب منه ، كما طلب من الخبير بالطب الجسماني تأليف كتاب من لا يحضره الطيب لنفس الغرض.
ولا يختص التفسير الموضوعي بطرح القضايا الاجتماعية أو الأخلاقية أو السياسية، بل يشمل جميع الأحكام المرتبطة بالقرآن من الفقهية والعقائدية، والمعرفية على حد سواء. وأكبر شاهد على ذلك أن هذه النصوص بعد طرحها بالمنهج التجزيئي طرحت بعد ذلك بنحو موضوعي، فعنونت أبوابها التي تعبر عن المفاهيم القرآنية الفقهية لها، وهذا ما صنعه صاحب الوسائل (ره) حينما قطّع الروايات ووزّعها على أبوابها، التي عنونها بالعناوين الموضوعية.
منهج التفسير الموضوعي والعقائد :
وجرى أتباع المنهج للتفسير الموضوعي بنحو أقل في علم العقائد، تمشياً مع ما حصل في الفقه، وبنحو أقل منه في علم الأخلاق فبحثت بعض الأبحاث المهم في أنظار أصحابها أو التي كانت محل ابتلاء بعناوين موضوعية، من قبيل الأدلة على وجود الحق، وبحث الصفات الإلهية، كالإرادة والحياة والسمع والبصر، وغيرها.
ثم إن منهج التفسير الموضوعي يختلف من علم إلى علم من العلوم القرآنية، وأكثر ما اهتم به الأعلام ما يرتبط بعلم الفقه، فهو يعد أكبر مصداق طرح كمنهج للتفسير الموضوعي، كما اتضح انه لابد من للوقوف على المفاهيم القرآنية من ملاحظة السنة المطهرة.
وقد استفاد(رض) من قول أمير المؤمنين(ع): ((ذلك القرآن فاستنطقوه ولن ينطق ولكن أخبركم عنه. ألا إن فيه علم ما يأتي ، والحديث عن الماضي ، ودواء دائكم ، ونظم ما بينكم(18))). الإشارة إلى التفسير الموضوعي للتعبير بالاستنطاق، بحيث تطرح المشاكل الاجتماعية ويجيب عليها القرآن. وأدرك هذا الشهيد الصدر(رض) مقدار فائدة التفسير الموضوعي بعد تصديه لحل المشاكل الواقعة عند المسلمين.
الأعلام والمنهج الموضوعي:
لقد أدرك أعلام المسلمين ضرورة التصدي لطرح هذا المنهج حين تصديهم لحل المشاكل المبتلاة بها عندهم ، ومما يكشف عليه ما هو واقع في علم الفقه والعقائد والأخلاق، فقد تحول البحث فيها من شرح نصوصها بالتجزيئي إلى تسليط المنهج الموضوعي عليها، وكذا عند إرادة تطبيق المفاهيم القرآنية على المجتمع حاولوا تطبيق هذا المنهج العلمي. وأبرز من تصدى لذلك:
العالم الأول: الشهيد الصدر : الذي أدرك أهمية المنهج الموضوعي للقرآن الكريم، فبدأ بكتابة الكليات المرتبطة به، ثم بحث عن بعض مصاديقه من قبيل بحث خلافة الإنسان والحرية وقيمة العمل، فقد استفاد من كلا المنهجين في تفسيره، فقد تدرج فيهما، مبتدئا من المنهج التجزيئي ، ومتخذا للمنهج الموضوعي، معالجا للقضايا الاجتماعية والأسرية والفردية، لكونه الأنسب في نظر اهل الخبرة، عند أرادة اصلاح مشكلة من المشكلات البشرية، لكونه بحسب الظاهر هو الأقرب الى محاكاة أفهامهم.
العالم الثاني: عميد الخطباء العلامة الوائلي:
الذي تصدى من خلال اتخاذه المنبر الحسيني لطرح هذا المنهج، من يستقرأ محاضراته القيّمة يجد هذا المنهج يرفرف على قممها. فلأنه يريد أن يبيّن لعامة الناس كون القرآن هداية لهم جميعاً. ويستفاد من ذلك عدم اختصاص المنهج الموضوعي بطبقة المجتهدين وأهل التخصصات، فأن له مرتبة تتناسب مع مخاطبة العوام كما استعملها العلامة الوائلي، وهناك مرتبة تتناسب مع طبقة أعلى، وهي التي اتخذها الشهيد الصدر في أبحاثه عن المفاهيم القرآنية التي تصدى لبحثها، ومن المفترض إيجاد مرتبة أعلى تتناسب مع ستوى المجتهدين، بمستوى ما يعلق به على العروة الوثقي.
الميزة الثالثة: إن تطبيق تلك الحالة المشخصة وطريقة معالجتها على الواقع المعاش في هذا العصر ، وذلك لأن حركة التاريخ محكومة بسنن تأريخية ثابتة جعلها الله تعالى مسيطرة على حركة الإنسان وحاكمة عليها وعلى طول خط حركة البشرية ، ومع أن التفسير الموضوعي أيضاً يهتم بالواقع الموضوعي ومشاكله ، إلا أنه لا يستطيع أن يقوم بهذا الدور ، وذلك لأن جوابه يكون جوابا تجريدياً ، أي يجرد فيه النص القرآني من خصوصياته بصفته نصا له سياقه الخاص ، وظروفه الخاصة في النزول ، وطريقته المعينة في المعالجة من خلال طرح المفاهيم المتعددة ، وبصورة متداخلة ، ومن مقطع قرآني واحد . ولذا نعتقد أن ( دراسة القرآن الكريم دراسة تجزيئية وعلى أساس هذا المنظور سيكون لها دور في إحداث حالة تغييرية في المجتمع ، من خلال التفاعل مع المفاهيم القرآنية ، ومن خلال معرفة مصاديقها ، ومعرفة تطبيقاتها المعاصرة التي نعيشها الآن).
يلاحظ عليه: أولاً: قوله “لأن جوابه يكون جواباً تجريدياً ، أي يجرد فيه النص القرآني من خصوصياته بصفته نصاً له سياقه الخاص ، وظروفه الخاصة في النزول ، وطريقته المعينة في المعالجة من خلال طرح المفاهيم المتعددة، وبصورة متداخلة ، ومن مقطع قرآني واحد” لا يمكنه قبوله؛ لأن المنهج الموضوعي لأجل الوصول إلى المفهوم القرآني النهائي يقوم أولاً باستقصاء جميع ما يرتبط به، من أجل الاستفادة منه وتطبيقه كقاعدة على مصاديق خارجية متعددة، فليس تجريده من أجل التغاضي عن انطباقه على مورده، بل تجريده ولحاظ الجهات الأخرى المرتبطة به من أجل الاستفادة منه وتطبيقه على ما يصلح الانطباق عليه، وهو من قبيل ما يطرحه علماء الأصول حين تعرّضهم لروايات الاستصحاب، فبعد انطباقه على باب الطهارة والصلاة يبحثونه كمفهوم عام ويطبقون عليه قاعدة أن المورد لا يخصص الوارد، ويعممون تطبيقه على موارد أخرى في أبواب فقيهه متعددة.
ثانياً: لا توجد في المنهج الموضوعي عملية تجريد النص مطلقاً، بل لا تصل النوبة إلى مرحلة التجريد إلا بعد المرور على عملية تجميع كل ما يرتبط بالمفهوم المبحوث عنه ، فالغرض من تجريد النص القرآني من خصوصياته، المتعلقة بالمورد الوارد فيه غرض ايجابي، كما بيناه بالاستصحاب.
الميزة الرابعة: التي استجابت للنص القرآني وفق الطريقة التي كتب وثبت بها – لها ميزتها وفلسفتها ، وذلك باعتبار استجابتها للهدف القرآني الرئيس ، والذي فرض أن تكون طريقة طرح القرآن الكريم للمفاهيم المتعددة بهذا الشكل المتداخل ، وليكون مزيجاً يحقق حالة الشفاء للبشرية: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا }.
يلاحظ عليه: لم يقل أصحاب المنهج الموضوعي وعلى رأسهم الشهيد الصدر بالاستغناء عن التجزيئي، كيف ولا يمكن الوصول اليه إلا به، ولذا أكّد (رض) على ذلك بقوله “ان التجزيئي لا يمكن الاستغناء عنه، واستبداله بالموضوعي، وإنما نحتاج إلى إضافة اتجاه إلى اتجاه(22).
الميزة الرابعة: التي استجابت للنص القرآني وفق الطريقة التي كتب وثبت بها – لها ميزتها وفلسفتها ، وذلك باعتبار استجابتها للهدف القرآني الرئيس ، والذي فرض أن تكون طريقة طرح القرآن الكريم للمفاهيم المتعددة بهذا الشكل المتداخل ، وليكون مزيجاً يحقق حالة الشفاء للبشرية: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا }.
يلاحظ عليه: لم يقل أصحاب المنهج الموضوعي وعلى رأسهم الشهيد الصدر بالاستغناء عن التجزيئي، كيف ولا يمكن الوصول اليه إلا به، ولذا أكّد على ذلك بقوله “ان التجزيئي لا يمكن الاستغناء عنه، واستبداله بالموضوعي، وإنما نحتاج إلى إضافة اتجاه إلى اتجاه(22). فالمعصوم (عليه السلام) لا يحتاج إلى المنهج الموضوعي، لاحاطته بجميع ما في القرآن، وكذلك أقل القليل من الأعلام الذين وقفوا على ما صدر عنه(عليه السلام)، وتابعوا مفهوماً مفهوماً، وأحاطوا به بما يتناسب مع مقامهم العلمي، إلا أن الأعم الأغلب من الأعلام، محتاجون إليه.
وعليه فسلوك السيد الشهيد ناتج من تجربته وخبرته العميقة والطويلة بعد توغله في أعماق المفاهيم الفقهيه ومعاينته لما انتهجه الفقهاء في الأبحاث الفقهية، عند تطبيقهم لمنهج التفسير الموضوعي، وكيف بلغ بالفقه إلى ما بلغ، في قبال الأبحاث المعرفية المتعلقة بالأصول العقائدية التي انتهج فيها الأعلام منهج التفسير التجزيئي، فشرحوا أصول الكافي رواية رواية، فعاين عدم تقدم أبحاثها بنحو تتضح فيه الصورة المعرفية، وتحل به المعضلات المطروحة، وحينما انصب اهتمامه بحل القضايا الاجتماعية الفكرية والميدانية، أدرك أيهما الأنسب لحال الناس غير المحيطين بالقرآن الكريم وبمفاهيمه، من الطلبة وغيرهم.
ملاحظة مهمة: إن المنهج الموضوعي لا تختص الاستفادة منه بأهل التخصصات؛ بل هو صالح للعوام أيضاً. نعم، تطبيقه يختص بأهل التخصصات لما يمتلكونه من قواعد علمية تمكنهم من انتهاجه وتطبيق قواعده، أما العوام فيأخذون النتائج التي توصل إليها أهل الخبرة من المجتهدين، ويقلدون فيها كما يقلدون في مباحث الفقه الأصغر. وحينئذ ستكون لهم إحاطة بالمفاهيم القرآنية، عن طريق تقليدهم للأعلام، الا فيما كانت مقدماته بديهية.
وكما انه لا بد من دراسة الموضوعات الخارجية والاستعانة بأهل التخصصات عن المفهوم المبحوث عنه، ينبغي الاستفادة من تجاربهم الميدانية، ووقوفهم على المستجدات المرتبة بالموضوعات الخارجية، جعلنا الله من المتدبرين في كتابه بحق محمد وآله الطاهرين.
ـــــــــــــــــ
(1)وقد اُخذ عنوان المتخصص هنا بنحو الاجمال الشامل لجميع أنحاء التخصصات التي تعرّض القرآن الكريم لذكرها؛ لأن بعض الأحاديث أو السور قد تشتمل على مطلب علمي وبعضها على مطلب قلبي، وهكذا.
(2)المدرسة القرآنية للسيد الشهيد الصدر ( قدس سره) ، المحاضرة الأولى : 9 – 11 ، طبعة بيروت .
(3)المدرسة القرآنية ، المحاضرة الأولى : 12 – 13 . المدرسة القرآنية ، المحاضرة الأولى : 12 – 13 . ، مع اضافة بعض التعديلات.
(4)الاتجاه التجزيئي والموضوعي في التفسير ص29 .
(5) كما ذكره السيد الحكيم(ره) في علوم القرآن.
(6)الاتجاه التجزيئي والموضوعي في التفسير ص36.
(7)الاتجاه التجزيئي والموضوعي في التفسير ص37.
(8)الاتجاه التجزيئي والموضوعي في التفسير ص37.
(9)وهو ملا صدرا الشيرازي(رحمه الله) ، وأول ما طبع له من تفسيره مجلد اشتمل على تفسيرها.
(10)الاتجاه التجزيئي والموضوعي في التفسير ص32.
(11) الاتجاه التجزيئي والموضوعي في التفسير ص29.
(12)الاتجاه التجزيئي والموضوعي في التفسير ص35.
(13)الاتجاه التجزيئي والموضوعي في التفسير ص34.
(14)كما ذكرها الشهيد الصدر رضوان الله عليه.
(15)وإن كانت بعض المباحث لم تستقرأ فيها جميع النصوص القرآنية والسنية، إلا ان هذا يرتبط بالصغرى ، ولا دخل له في تحقق أصل المنهج.
(16)المدرسة القرآنية-المحاضرة الاولى ص12.
(17) تفسير سورة الحمد – السيد محمد باقر الحكيم – ص 102.
(18)شرح نهج البلاغة ج2ص54.
(19)الاتجاه التجزيئي والموضوعي في التفسير ص40.
(20)علوم القرآن – السيد محمد باقر الحكيم – ص 347.
(21)تفسير سورة الحمد – السيد محمد باقر الحكيم – ص 107 – 115.
(22)الاتجاه التجزيئي والموضوعي في التفسير ص42….. والله أعلم..
#االخواطر الرجبية.
