مفهوم و فلسفة الخداع حرب اكتوبر 1973 نموذجا

مفهوم و فلسفة الخداع    حرب اكتوبر 1973 نموذجا

 

 

 بقلم : دكتور \  احمد فاروق

مستشار المركز الوطني للدراسات

 

مفهوم الخداع :

الخداع هو مجموعة الإجراءات أو الأنشطة المنسقة بإخفاء ومنع الحقائق من الوصول إلى أجهزة الاستخبارات  المعادية وتوجيه جهودها في اتجاهات زائفة تؤدي إلى اتخاذ قرارات غير مناسبة تخدم هدف المخطط للعمليات السيكولوجية.

و ينقسم الخداع من حيث النوع إلى  خداع عسكري و خداع سياسي، أما من حيث أسلوب تنفيذه فينقسم الى خداع سلبي ويتميز بالسرية والأمن وإخفاء المعلومات الحقيقية، وخداع إيجابي عن طريق تضليل أجهزة الاستخبارات  المعادية بتسريب معلومات زائفة تؤثر على الهدف المخاطب لتقوده إلى قرارات غير مناسبة،  بينما تنقسم مستويات الخداع الى خداع استراتيجي ينظم ويدار بواسطة الدولة و خداع استراتيجي عسكري و ينظم ويدار بواسطة القيادة العامة للقوات المسلحة وخداع تعبوي ويقصد به تنفيذ الأفرع الرئيسية والقيادات لمجموعة الأنشطة والإجراءات الواردة في الخطة الاستراتيجية بإمكانياتها ووسائلها وخداع تكتيكي بنفذ بإمكانيات التشكيلات التكتيكية في إطار الخطة الاستراتيجية .

اساليب الخداع :

يمكن حصر أساليب الخداع الأساسية فى 3 أساليب. أولها الإخفاء ويعد من أكثر الأساليب فاعلية لحجب الحقائق والنوايا المستقبلية والإمكانيات والقدرات المعنوية للقوات المسلحة وعادة ما يكون تحقيق ذلك من خلال التقيد الصارم بالسرية في كافة التحضيرات الخاصة بالعمليات العسكرية كذلك، في تداول الوثائق السرية وحفظها و تحديد عدد الأفراد المصرح لهم بالاشتراك في إعداد الوثائق الخاصة بالعمليات، ومتابعتهم و إعداد الوثائق الاستراتيجية المهمة من نسخة واحدة (تسلم باليد)، مع إعطائها أعلى درجات السرية، والمحافظة على سلامتها مع اتباع الأساليب العلمية، والاستخدام الجيد للأدوات والمواد الخاصة بإخفاء القوات وتمويهها (أفراد ـ أجهزة ـ معدات ).

أما ثانيها فهو التقليد و هو أحد أشكال الإيحاء الذي يستخدم، بتوسع، خاصة على المستوى العسكري (تعبوي ـ تكتيكي)، ويتم بتقليد الأهداف المختلفة (أسلحة ـ مطارات ـ معدات ـ منشآت) في مناطق هيكلية بما يمكن من خداع أجهزة ومصادر جمع المعلومات عن فكرة العمليات (مناطق تمركز ـ اتجاهات العمل والضربات الرئيسية). وتستخدم معدات القتال والأسلحة الهيكلية وكذلك الأسلحة المدمرة/ عاطلة بتوسع لتنفيذ التقليد، ونشير هنا إلى أهمية تخصيص وحدات/ عناصر، تقوم بتنفيذ خطة القرائن الدالة عن نشاط الهدف (تحركات ـ صوت ـ ضوء ـ نشاط لاسلكي)، أو ما يُطلق عليه “إجراءات بعث للحياة”.

و ثالث أساليب الخداع  هو التظاهر أو التضليل وهو أكثر أساليب الخداع صعوبة وتكلفة، كما أنه يتطلب التخطيط الجيد، والسرية الكاملة، ووقت أطول من باقي الأساليب، إلاّ أن نتائجه مبهرة  ولها تأثير بارز على سير العمليات العسكرية. ويستخدم هذا الأسلوب على كافة مستويات الخداع العسكري، وعادة ما يركز على إخفاء هدف مهم، وإظهار هدف أخر أقل أهمية، لجذب الانتباه إليه، أو الخداع عن اتجاه الضربات الرئيسية، والحشود ومن أبرز الأمثلة التي شهدتها الحرب العالمية الثانية، في هذا المجال، عملية إنزال نورماندي، حيث تم خداع أجهزة الاستخبارات الألمانية، وإظهار ما يؤكد قيام عملية الغزو على ساحل كاليه (200 ميل) شمال نورماندي.  و يجب الوضع فى الاعتبار ضرورة استخدام الإعلام المخادع بتنسيق كامل مع  أساليب الخداع، من خلال الخطة المركزية للخداع الاستراتيجي حيث تلعب وسائل الإعلام،دورًا بارزًا في تنفيذ إجراءات الخداع الاستراتيجي،من خلال مراعاة تصميم الرسالة (الخبر المزيف) ، في وسائل الإعلام ، بأسلوب علمي دقيق، تجنبًا للنتائج العكسية كما يلزم المراقبة المستمرة للهدف المخاطب لمعرفة مدى تأثير هذه الإجراءات على قراراته، أو ردود فعله.

اهداف و ادارة الخداع :

يستهدف الخداع بشكل عام إقناع العدو بفكرة معينة غير صحيحة ينتج عنها رد فعل خاطئ يتم الإستفادة منه، ويهدف الخداع الاستراتيجى في الصراع المسلح، إلى خداع العدو عن خطة إعداد الدولة للحرب وإجراءاتها، مع إخفاء فكرة إدارة الصراع المسلح وطبيعته، وكذا استخدام القوات إجراءات التنسيق مع الدول، الصديقة والحليفة، وذلك من خلال التركيز على وضع أجهزة الاستخبارات  المعادية والمتعاونة معها في حالة إقناع وتصديق للأخبار والمعلومات الزائفة والقياس المستمر لردود فعلها وتحليلها لضمان تحقيق النتائج من خطة الخداع.

و ولقد بات واضحًا، وبما لا يدع مجالًا للشك، من خلال الدراسة التحليلية للصراع المسلح والحروب التي نشبت عبر التاريخ، أن الخداع، بجميع أنواعه ومستوياته، قد لعب دورًا بارزًا، ومؤثرًا، بل حاسمًا، في العديد من العمليات العسكرية.

يتم تنظيم الخداع وإدارته، بواسطة أعلى قياده سياسية عسكرية في الدولة، ومن خلال خطة مركزية. وتنفذ إجراءاتها على جميع المستويات، ومن خلال أنواع الخداع المختلفة (عسكري ـ سياسي) وبكافة أساليب الخداع وجميع الوسائل المتوافرة والمتاحة لهذه المستويات. ويُراعى أن تتضمن خطة الخداع لدعم العملية العسكرية هدف الخداع وفكرته و مراحل خطة الخداع والمهام في كل مرحلة و أسلوب تنفيذ مهام الخداع و القوات والوسائل والعناصر، المنفذة في كل مرحلة و توقيتات ومسؤوليات التنفيذ.

ويجب التأكيد على أن تتضمن فكرة الخداع الأهداف السياسية العسكرية المطلوب تضليل أجهزة الإستخبارات ، المعادية والمتعاونة معها عنها، و الموقف السياسي والعسكري ، والموقف الاستراتيجي العسكري، والعوامل السلبية الخارجية ، التي تتعارض مع السياسة العسكرية للدولة .

فلسفة الخداع :

ترتكز فلسفة الخداع على السيطرة على النمط الذهني للخصم حيث تقوم تلك الفلسفة على دراسة “صورة النصر/الخطر” لدى العدو؛ أي كيف يفكر، وماذا يتوقع، وما هي نقاط ضعفه يضاف لذلك الأغراق المعلوماتى  فالفلسفة العميقة للخداع لا تعتمد على منع العدو من جمع المعلومات ، بل تعتمد على إغراق العدو بكم هائل من المعلومات المتناقضة، أو جعل التحركات الجادة  تبدو كأنها “أمر مألوف وروتيني”. و اخيرا التحكم فى إدراك الخصم و يتم من خلال تكرار الحدث حتى يصبح “مألوفاً” (إبطال قيمة المفاجأة بالاعتياد ).

نموذج حرب اكتوبر 1973 :

و بتطبيق ذلك على حرب اكتوبر 1973 نجد ان مصر نجحت فى التحكم فى ادراك العدو حيث قامت القوات المسلحة المصرية بتنفيذ مناورات متكررة للعبور وحشد القوات على الضفة الغربية للقناة طوال عامي 1972 و1973.في البداية كانت إسرائيل تعلن التعبئة وتستنفر قواتها، ومع تكرار هذه “المناورات” دون حرب، بدأت الاستخبارات الإسرائيلية (الموساد والأمان) تتعامل معها باستهتار واعتياد، حتى إن يوم 6 أكتوبر نفسه تم اعتباره في البداية مجرد تدريب عادي يقع تحت نظر الجنود في الخنادق.

كما نجحت مصر فى ترسيخ فكرة “لا حرب ولا سلم” من خلال تكثيف الدعاية السياسية و تسريب أنباء عن وعكة صحية لأعضاء قياديين أو سفر شخصيات هامة للخارج ، وإعلان أخبار عن زيارات ودبلوماسية هادئة (مثل لقاءات في الأمم المتحدة أو زيارات بريطانية مقررة) لتأكيد أن مصر منشغلة بالأزمات الداخلية والاقتصادية وليس بقرار حرب.

اتخاذ اجراءات عسكرية تتناقض مع مبادىء الأستعداد للحرب فبدلا من التعبئة تم تسريح جزء من القوات ففي يوليو 1972، تم تسريح نحو 30 ألف جندي من القوات المسلحة  ايضا ترسيخ فكرة  “لا شيء مخفي ولكن لا شيء مفهوم”: فعندما رصدت اسرائيل تحركات حقيقية، فقام العدو بتحليل المعلومات بناءً على ما سربته القيادة عن ال”تحضير لمناورة سنوية” (مناورة تحرير 23 أو غيرها)، ، فاوقع ذلك العدو في الفخ حتى ساعة الصفر الساعة 2:00 ظهراً.عندما بدأت الضربة الجوية  المصرية المكثفة  .

اضف الى ذلك ايضا استخدام الشائعات على نطاق واسع لاخفاء النوايا الحقيقية للأجراءات الخاصة باعداد الدولة للحرب حيث تم تداول اخبار شراء كميات اضافية من القمح أو إخلاء أسرة في المستشفيات تحت ذرائع طبية أو روتينية (مثل “تطعيم ضد التيتانوس” أو تسريب قصة تلف أو نقص القمح) لإخفاء الاستعدادات الطبية الحقيقية لاستقبال جرحى الحرب.

و اخيرا عدم الألتزام بالقواعد التكتيكية المتعارف عليها عند تحديد توقيت بدء العمليات و التى غالبا ما تكون فى اول ضوء او اخر ضوء حي تم اختيار توقيت  بدء العمليات ساعة الصفر (الثانية ظهرا ) التي خالفت كل التوقعات الإستراتيجية العسكرية كما تم اختيار يوم 10رمضان حيث يكون الجنود صائمين، ويوم عيد الغفران وهو يوم عطلة و سكون كامل  في إسرائيل مما يساهم فى ابطاء اجراءاتها للتعبئة العامة .

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock