إثيوبيا وتصدير أزمات الداخل .. صناعة الخصوم وتهديد استقرار القرن الإفريقي
إثيوبيا وتصدير أزمات الداخل .. صناعة الخصوم وتهديد استقرار القرن الإفريقي

بقلم: اللواء دكتور / محمد الدسوقي
خبير الدراسات الاستراتيجية والعلاقات الدولية
بتاريخ 13 أكتوبر 2026
تشهد منطقة القرن الإفريقي مرحلة بالغة الحساسية من التحولات السياسية والأمنية، في ظل تصاعد الصراعات الداخلية، وتزايد حدة التوترات بين دول المنطقة، وتداخل المصالح المائية والبحرية والأمنية مع حسابات النفوذ الإقليمي. وفي قلب هذه التحولات تبرز إثيوبيا، باعتبارها دولة محورية تمتلك ثقلًا ديموجرافيًا وجغرافيًا واستراتيجيًا، لكنها تواجه في الوقت ذاته تحديات داخلية معقدة، تثير تساؤلات جوهرية حول قدرة الدولة على إدارة التنوع السياسي والإثني، واحتواء الصراعات المسلحة، وتحقيق الاستقرار الداخلي دون نقل تداعيات هذه الأزمات
إلى محيطها الإقليمي.
وقد اكتسبت هذه التساؤلات أهمية متزايدة مع تصاعد الاتهامات الإثيوبية الموجهة إلى مصر وإريتريا والسودان، وربط بعض المسؤولين الإثيوبيين الاضطرابات الداخلية بتدخلات خارجية مزعومة، في وقت تتجدد فيه المواجهات المسلحة داخل الأراضي الإثيوبية، وتتزايد المخاوف من اتساع نطاقها إلى دول الجوار.
ولعل أخطر ما تكشفه هذه التطورات ليس مجرد تدهور العلاقات بين أديس أبابا وبعض عواصم المنطقة، وإنما احتمال تحول الأزمات الداخلية إلى مصدر دائم للتوتر الإقليمي، إذا جرى تفسير الصراعات المحلية باعتبارها نتاجًا لمؤامرات خارجية، دون معالجة جذورها السياسية والأمنية والاجتماعية.
أولًا: أزمات الداخل الإثيوبي:
لا يمكن فهم التحولات الراهنة في السياسة الخارجية الإثيوبية بمعزل عن طبيعة التحديات الداخلية التي تواجه الدولة، والتي تتجاوز الخلافات السياسية التقليدية إلى إشكاليات أعمق تتعلق ببنية النظام الفيدرالي، والعلاقات بين السلطة المركزية والأقاليم، وتوزيع السلطة والموارد، فضلًا عن استمرار التوترات الإثنية والمناطقية.
فرغم انتهاء المرحلة الرئيسية من حرب تيجراي بتوقيع اتفاق بريتوريا في نوفمبر 2022،
فإن مسار التسوية لم ينجح في معالجة جميع أسباب الصراع، وظلت الخلافات المتعلقة بالترتيبات الأمنية والسياسية والإدارية قائمة، بالتزامن مع استمرار الاضطرابات في مناطق أخرى، خصوصًا أمهرة وأوروميا.
وشهد سبتمبر 2026 تطورًا لافتًا تمثل في إعلان سبع جماعات إثيوبية مسلحة تشكيل تحالف معارض للحكومة الفيدرالية، رغم أن بعض هذه الجماعات كانت تقف على طرفي نقيض خلال صراعات سابقة. ويعكس هذا التطور اتساع نطاق التحديات التي تواجهها السلطة المركزية،
وإن كان لا يعني بالضرورة وجود توافق سياسي مستدام بين أطراف التحالف.
وتكمن خطورة هذه التطورات في أن استمرار الاعتماد على المقاربة الأمنية وحدها قد لا يكون كافيًا لمعالجة الأسباب الهيكلية للصراعات، خاصة عندما تتداخل المطالب السياسية والحقوقية
مع الانقسامات الإثنية والتنافس على الموارد والسلطة.
ومن منظور الإدارة الاستراتيجية للدولة، فإن معيار النجاح لا يقتصر على قدرة المؤسسات
على استعادة السيطرة العسكرية على مناطق الاضطرابات، وإنما يمتد إلى قدرتها على بناء تسويات سياسية قابلة للاستمرار، وتعزيز الثقة بين مكونات المجتمع، وتطوير مؤسسات قادرة على إدارة الاختلافات دون تحولها إلى مواجهات مسلحة متكررة.
وهنا يبرز التساؤل الجوهري التالي: هل تعكس السياسات الإثيوبية الراهنة قدرة على معالجة جذور الأزمات الداخلية، أم أن استمرار الصراعات يشير إلى فجوة بين الطموحات الاستراتيجية للدولة وقدرتها على تحقيق الاستقرار السياسي والمؤسسي؟
ثانيًا: صناعة الخصم الخارجي:
تُظهر الخبرات التاريخية في العلاقات الدولية أن بعض الحكومات قد تلجأ – في فترات الضغوط الداخلية – إلى إبراز التهديدات الخارجية باعتبارها وسيلة لتعزيز التماسك الوطني وحشد التأييد السياسي. ويُعرف هذا النمط في الدراسات السياسية بمفهوم تحويل الانتباه إلى الخارج،
أو توظيف التهديد الخارجي في إدارة الصراع الداخلي.
ولا يعني ذلك أن كل اتهام بتدخل خارجي يكون بالضرورة مختلقًا، أو أن الدول لا تواجه تهديدات حقيقية من محيطها الإقليمي، وإنما تقتضي القراءة العلمية التمييز بين التهديدات المدعومة بالأدلة وبين الاتهامات التي يجري توظيفها سياسيًا دون إثبات كافٍ.
وفي الحالة الإثيوبية، اكتسب هذا التمييز أهمية خاصة بعد اتهام “المشير برهانو جولا .. رئيس أركان الجيش الإثيوبي” في أواخر سبتمبر 2026، مصر وإريتريا والسودان بدعم جماعات مسلحة معارضة للحكومة الفيدرالية.
وقد نفت الدول الثلاث هذه الاتهامات، بينما نقلت تقارير إعلامية عن محللين أن الخطاب الإثيوبي قد يمثل محاولة لتحويل الانتباه عن المشكلات الداخلية، وبناء حالة من التعبئة السياسية في مواجهة خصوم خارجيين مفترضين.
وفي تقديري، فإن خطورة هذا المسار تكمن في أنه قد يوفر مكاسب سياسية قصيرة الأجل، لكنه يحمل مخاطر استراتيجية بعيدة المدى، لأنه يضعف فرص الحوار الداخلي، ويزيد احتمالات سوء التقدير بين الدول، ويجعل من الصراعات المحلية قضايا إقليمية مفتوحة على احتمالات التصعيد. كما أن الإفراط في تفسير الأزمات الداخلية باعتبارها نتيجة لتدخلات خارجية قد يؤدي إلى إرجاء الإصلاحات الضرورية، وتراجع الاهتمام بالأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي ساهمت في نشوء هذه الأزمات.
ثالثًا: من الاتهامات السياسية إلى التصعيد الإعلامي ضد مصر:
لم تقتصر التطورات الأخيرة على التصريحات العسكرية والسياسية، بل امتدت إلى خطاب إعلامي يتضمن اتهامات مباشرة للدولة المصرية ومؤسساتها، وهو ما يستوجب التوقف
عند طبيعة هذا الخطاب وأهدافه المحتملة وتداعياته.
ففي 12 أكتوبر 2026، نشرت وكالة الأنباء الإثيوبية تقريرًا نقل عن الباحث “عبد الشكور
عبد الصمد” اتهامًا لمصر بالسعي إلى إطالة أمد الحرب السودانية للاستفادة من الموارد المائية التي لا يستطيع السودان استغلالها خلال الصراع. كما أعاد التقرير تداول اتهامات تتعلق بغارات على مناطق للتنقيب عن الذهب داخل السودان، ونسب المسؤولية عنها إلى مصر. وهذه اتهامات لم يقدم التقرير أدلة مستقلة كافية لإثباتها.
تكمن خطورة هذا الخطاب في انتقاله من الخلاف السياسي المشروع حول إدارة الموارد المائية إلى التشكيك في النوايا الاستراتيجية للدولة المصرية، وربطها بأزمات دول أخرى، بما قد يؤثر في صورتها الإقليمية وعلاقاتها التاريخية مع الشعوب الإفريقية.
وهنا ينبغي التمييز بين النقد السياسي، الذي يمثل جزءًا طبيعيًا من العلاقات الدولية، وبين توجيه اتهامات تمس مؤسسات الدول وسيادتها دون تقديم أدلة قابلة للتحقق. كما أن نشر هذه الاتهامات عبر وكالة أنباء رسمية يمنحها انتشارًا وتأثيرًا أكبر، وإن كان لا يعني بالضرورة أن كل ما ينشر فيها يمثل قرارًا أو موقفًا حكوميًا معتمدًا. وفي تقديري، فإن تكرار هذه الاتهامات يثير تساؤلًا مشروعًا حول ما إذا كان الخطاب الإعلامي يجري توظيفه لإعادة توجيه الاهتمام من تعقيدات الداخل الإثيوبي إلى خصومات إقليمية، خاصة مع تزامنه مع تصاعد المواجهات المسلحة داخل البلاد.
رابعًا: إثيوبيا ودول الجوار:
تتجاوز التوترات الإثيوبية الراهنة حدود العلاقات مع مصر، لتشمل شبكة معقدة من الخلافات
مع عدد من دول القرن الإفريقي، وفي مقدمتها إريتريا والسودان والصومال.
فالعلاقات الإثيوبية الإريترية، التي شهدت تقاربًا مهمًا عقب اتفاق السلام عام 2018، عادت
إلى التوتر بصورة متصاعدة، خاصة مع تجدد الصراع في شمال إثيوبيا، والخلاف بشأن الوصول إلى البحر الأحمر. وقد شهد أكتوبر الجاري تبادل اتهامات خطيرة بين أديس أبابا وأسمرة، وصلت إلى مجلس الأمن الدولي. واتهمت إثيوبيا القوات الإريترية بالتوغل داخل أراضيها، بينما نفت إريتريا ذلك، واتهمت الحكومة الإثيوبية بالسعي إلى تبرير مواجهة عسكرية جديدة.
أما العلاقات مع السودان، فتتأثر بتداخل ملفات الحدود والحرب الداخلية السودانية والأمن المائي، فضلًا عن الاتهامات المتبادلة بالتدخل في الشؤون الداخلية.
وفيما يتعلق بالصومال، فإن الخلافات بشأن الترتيبات الإثيوبية للوصول إلى البحر،
ومواقف مقديشو المتعلقة بوحدة أراضيها وسيادتها، تعكس حساسية إعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية في المنطقة.
وتكشف هذه الملفات أن إثيوبيا تواجه بيئة إقليمية معقدة تتطلب إدارة دبلوماسية دقيقة، وليس مزيدًا من الاستقطاب السياسي والإعلامي. ومن منظور استراتيجي، فإن تزامن التوترات
مع عدة دول مجاورة قد يؤدي إلى ما يمكن تسميته باتساع دائرة الاستنزاف الاستراتيجي،
حيث تتوزع قدرات الدولة ومواردها بين معالجة الصراعات الداخلية وإدارة الأزمات الخارجية، بما يضع ضغوطًا إضافية على الاقتصاد والمؤسسات الأمنية والسياسية.
والأخطر أن استمرار هذا المسار قد يحول الخلافات القابلة للتسوية إلى أزمات ممتدة يصعب احتواؤها، خاصة في منطقة ترتبط فيها الحدود البرية بالممرات البحرية والتنافس على الموارد.
خامسًا: سد النهضة والوصول إلى البحر الأحمر:
لا يمكن فصل التوترات الإقليمية عن ملفين رئيسيين يشكلان محورًا مهمًا في السياسة الإثيوبية، هما سد النهضة، والسعي إلى تأمين منفذ بحري على البحر الأحمر. فمن حيث المبدأ، تمتلك إثيوبيا مصالح تنموية مشروعة، شأنها شأن جميع دول المنطقة، ومن حقها السعي إلى تحسين بنيتها الأساسية وتنمية مواردها الاقتصادية. لكن ممارسة هذه المصالح تظل مرتبطة باحترام القانون الدولي، وسيادة الدول الأخرى، وحقوقها ومصالحها المشروعة.
وفي ملف سد النهضة، لا يتمثل جوهر الخلاف المصري – الإثيوبي في رفض التنمية الإثيوبية، وإنما في ضمان عدم الإضرار بالأمن المائي لدولتي المصب، والوصول إلى ترتيبات قانونية وتشغيلية تحقق التعاون وتحد من مخاطر الإجراءات الأحادية، خاصة خلال فترات الجفاف.
أما قضية الوصول إلى البحر الأحمر، فإن أهميتها الاقتصادية والجيوستراتيجية لإثيوبيا لا تلغي ضرورة التوصل إلى ترتيبات توافقية تحترم السيادة الإقليمية للدول الساحلية. وتكمن الإشكالية الاستراتيجية في أن تحويل المصالح التنموية إلى قضايا سيادية صفرية قد يزيد احتمالات المواجهة، بينما يمكن للتعاون الاقتصادي والمشروعات المشتركة أن يفتح مسارات تحقق مصالح الأطراف المختلفة. وهنا تظهر أهمية الانتقال من منطق التنافس على الموارد والممرات إلى منطق التكامل الإقليمي، خاصة أن استقرار القرن الإفريقي يمثل مصلحة مشتركة لجميع دوله.
سادسًا: تداعيات السياسيات الإثيوبية على الأمن القومي المصري والعربي:
لا تمثل التطورات الإثيوبية شأنًا داخليًا منعزلًا عن محيطه الجغرافي، وإنما ترتبط بصورة مباشرة
أو غير مباشرة بعدد من المصالح الاستراتيجية المصرية والعربية. ويأتي الأمن المائي في مقدمة
هذه المصالح، نظرًا إلى ارتباط نهر النيل بالأمن الاقتصادي والاجتماعي والتنموي المصري.
كما يمثل أمن البحر الأحمر وباب المندب أحد المحددات الأساسية للأمن القومي المصري، بالنظر إلى ارتباطهما بقناة السويس وحركة التجارة الدولية وسلاسل الإمداد والطاقة العالمية.
وتزداد أهمية هذه الاعتبارات في ظل استمرار الحرب السودانية، واحتمالات اتساع المواجهات الإثيوبية الإريترية، وما قد يترتب عليها من ضغوط أمنية وإنسانية واقتصادية. ويمكن تحديد أبرز التداعيات المحتملة في تصاعد الاستقطاب الإقليمي، وزيادة احتمالات سوء التقدير العسكري، وتعقيد جهود التسوية السياسية، فضلًا عن التأثير السلبي المحتمل في التجارة والاستثمار وحركة النقل البحري.
ولا يعني ذلك أن مواجهة إقليمية واسعة أصبحت حتمية، وإنما أن استمرار التصعيد دون قنوات فعالة للحوار يزيد مستوى المخاطر الاستراتيجية.
ومن هذا المنطلق، فإن المصلحة المصرية والعربية لا تكمن في إضعاف إثيوبيا أو تفاقم أزماتها الداخلية، وإنما في وجود دولة إثيوبية مستقرة، قادرة على إدارة شؤونها الداخلية، واحترام التزاماتها الإقليمية، والمشاركة في ترتيبات تعاونية تحقق الأمن والتنمية للجميع.
سابعًا: الموقف المصري:
أكد “الدكتور بدر عبد العاطي .. وزير الخارجية المصري” في الثالث من أكتوبر 2026،
أن مصر لا تتدخل في الشؤون الداخلية الإثيوبية، وأن الاتهامات الموجهة إليها تمثل محاولة لصرف الانتباه عن الأزمات الداخلية التي تواجهها إثيوبيا. وشدد على أن السياسة المصرية تقوم على احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
كما أكدت القمة التشاورية التي استضافتها مدينة العلمين في الرابع من أكتوبر، بمشاركة مصر والسودان وإريتريا والصومال، أهمية أمن البحر الأحمر وحرية الملاحة الدولية وتعزيز التعاون الاقتصادي والتنموي بين الدول المشاركة. وفي المقابل، دعت مفوضية الاتحاد الإفريقي،
في بيان صدر مطلع أكتوبر، إلى ضبط النفس وتجنب التصريحات أو الإجراءات التي قد تؤدي إلى مزيد من التصعيد، مع الحفاظ على قنوات الحوار الدبلوماسي.
وفي تقديري، فإن التعامل المصري مع هذه التطورات يستند إلى ضرورة الجمع بين ثلاثة اعتبارات متكاملة: حماية المصالح الوطنية، والحفاظ على الاستقرار الإقليمي، وتجنب الانجرار إلى صراعات لا تخدم مصالح شعوب المنطقة. ويتطلب ذلك استمرار التحرك الدبلوماسي، وتوثيق المواقف والاتهامات والرد عليها بالحقائق والأدلة، وتعزيز التنسيق مع الشركاء الإقليميين، مع المحافظة على الاستعداد الاستراتيجي لمواجهة أي تطورات قد تمس الأمن القومي المصري. كما ينبغي أن يقوم الخطاب الإعلامي المصري على التمييز بين الشعب الإثيوبي، الذي تربطه بمصر علاقات تاريخية وحضارية عميقة، وبين السياسات والمواقف التي يمكن الاختلاف معها أو انتقادها. فالعلاقات بين الشعوب أكثر امتدادًا من الأزمات السياسية العابرة، والحفاظ عليها يمثل استثمارًا استراتيجيًا في مستقبل المنطقة.
ثامنًا: مستقبل الأزمة:
يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية لمستقبل التوترات الإثيوبية – الإقليمية، كالتالي:
المسار الأول: يتمثل فى استمرار الاتهامات والتصعيد الإعلامي والدبلوماسي، مع بقاء المواجهات العسكرية داخل نطاقات محدودة، وهو مسار قد يؤدي إلى استنزاف سياسي واقتصادي ممتد.
أما المسار الثاني: فيتمثل في اتساع المواجهات المسلحة وانتقال بعض تداعياتها عبر الحدود،
بما قد يفرض تحديات أمنية وإنسانية أكثر تعقيدًا على دول القرن الإفريقي.
ويتمثل المسار الثالث: في العودة إلى الحوار السياسي الداخلي، وتفعيل الوساطات الإقليمية، وإعادة بناء الثقة بين إثيوبيا وجيرانها، وهو مسار يتطلب إرادة سياسية وتنازلات متبادلة وترتيبات واضحة لبناء الثقة.
ولا يمكن الجزم بالمسار الذي ستتجه إليه التطورات، خاصة في ظل تعدد الأطراف المسلحة وتداخل المصالح الإقليمية، لكن المؤكد أن استمرار الأزمات الداخلية والخارجية بصورة متزامنة يزيد تكلفة الاستقرار ويضعف فرص التنمية.
الخلاصة:
إن ما تشهده إثيوبيا من أزمات داخلية وتوترات مع عدد من دول الجوار يطرح إشكالية استراتيجية تتجاوز حدود الخلافات الثنائية، وتتعلق بالعلاقة بين قدرة الدولة على تحقيق الاستقرار الداخلي وطموحاتها إلى توسيع دورها الإقليمي. فالدولة التي تسعى إلى تعزيز مكانتها الإقليمية تحتاج أولًا إلى مؤسسات مستقرة، وتوافق وطني قادر على إدارة الاختلافات، وسياسات خارجية تقوم على بناء المصالح المشتركة لا تعميق الخصومات.
وفي تقديري، فإن الاعتماد على خطاب الاتهامات الخارجية لا يمثل بديلًا عن معالجة الأسباب الحقيقية للصراعات الداخلية، بل قد يؤدي إلى تعقيدها إذا تحول إلى أداة دائمة لإدارة الأزمات أو حشد التأييد السياسي. كما أن محاولات تحميل دول الجوار مسؤولية الاضطرابات الداخلية، دون تقديم أدلة واضحة، تحمل مخاطر تتجاوز العلاقات الثنائية، وقد تفتح المجال أمام تصعيد إقليمي لا يملك أي طرف ضمان السيطرة على تداعياته.
وتبقى الحقيقة الاستراتيجية الأهم أن استقرار إثيوبيا يمثل جزءًا من استقرار القرن الإفريقي، وأن أمن مصر المائي والبحري والإقليمي يرتبط بوجود بيئة تقوم على احترام السيادة والتعاون وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية. فالقوة الحقيقية للدول لا تُقاس بقدرتها
على صناعة الخصوم في الخارج، وإنما بقدرتها على معالجة أزماتها في الداخل، وبناء الثقة مع جيرانها، وتحويل مواردها وموقعها الجغرافي إلى أدوات للتنمية والاستقرار، لا إلى مصادر للصراع والتوتر.




