
خريطة استثمار مصر 2050
رؤية لاعادة قراءة خريطة مصر وتحويل الممرات والاصول الي مشروعات قوميه متكاملة
خريطة استثمار مصر 2050
رؤية لإعادة قراءة خريطة مصر وتحويل الممرات والأصول إلى مشروعات قومية متكاملة.

بقلم : المستشار ” ياسر الخولي ”
نائب رئيس هيئة قضايا الدولة
مصر ليست دولة فقيرة في مواردها، وإنما دولة تملك ثروات وأصولاً وإمكانات هائلة تحتاج إلى قراءة أفضل وتخطيط أذكى وإدارة أكثر ابتكاراً.
ربما تكون المشكلة الحقيقية أننا لم نقرأ خريطة مصر كما ينبغي.
فالطريق ليس مجرد طريق، والأرض الواقعة بين طريقين ليست مجرد مساحة من الرمال، والموقع القريب من العاصمة أو البحر أو المدن الجديدة ليس مجرد أرض قابلة للبيع؛ بل يمكن أن يكون بداية لممر اقتصادي كامل، ومدينة جديدة، ومركز استثماري، ومجتمع عمراني متكامل.
ومن هنا تأتي فكرة «خريطة استثمار مصر 2050»: أن نعيد النظر في الخريطة المصرية بعين اقتصادية جديدة، وأن نحدد أفضل المواقع والممرات القادرة على صناعة أكبر قيمة ممكنة لمصر.
الفكرة الأساسية: لا نبيع الأرض… بل نصنع القيمة
المبدأ الذي يجب أن يحكم هذه الرؤية هو:
> لسنا بصدد تنمية أكبر مساحة من الأرض، وإنما تنمية أعلى قيمة ممكنة من الأرض.
لا نريد بيع الأراضي في قطع صغيرة متفرقة، وإنما اختيار مناطق استراتيجية، وإعداد مخططات عالمية لها، وتحويلها إلى مشروعات قومية متكاملة تضم السكن والأعمال والتجارة والخدمات والتعليم والصحة والترفيه واللوجستيات والصناعة والسياحة، بحسب طبيعة كل موقع.
فالمشروع المتكامل يقوي عناصره بعضها بعضاً، ويرفع جاذبيته، وبالتالي يرفع القيمة الاقتصادية للأرض والمشروعات التي تقام عليها.
وهنا يمكن الاستفادة من الخبرات التي ظهرت في تجربة المدن والمجتمعات العمرانية الجديدة، مثل مدينتي والرحاب والعاصمة الإدارية الجديدة والمنصورة الجديدة وغيرها، مع تجاوز التجارب السابقة إلى نماذج أكثر تطوراً وتنافسية على المستوى العالمي.
أين نبدأ؟
هناك مجموعة من الممرات والمناطق التي تستحق أن تكون نقطة البداية في إعداد الأطلس الاستثماري لمصر، ومنها ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ:
1 ـ الممر بين طريق القاهرة–السويس وطريق العين السخنة
وهو من أكثر المواقع التي تستحق الدراسة بسبب موقعه الاستراتيجي، وقربه من العاصمة الإدارية، واتصاله بشبكة طرق رئيسية، وقربه من البحر الأحمر وموانئ ومناطق اقتصادية مهمة.
ولتوضيح حجم الفكرة فقط:
إذا افترضنا ـ افتراضاً حسابياً وليس تقييماً رسمياً ـ مساحة بعرض 10 كيلومترات وعمق 20 كيلومتراً، فنحن نتحدث عن:
200 مليون متر مربع.
وعند افتراض قيمة متوسطة قدرها 10 آلاف جنيه للمتر، تصبح القيمة النظرية:
2 تريليون جنيه.
وهذا الرقم ليس قيمة سوقية مؤكدة، وإنما مثال رياضي لتوضيح حجم الإمكانات؛ إذ إن القيمة الحقيقية تتوقف على ملكية الأراضي، والاستعمالات المسموح بها، والمرافق، والكثافات، وأسعار السوق، وتكلفة التطوير، والمخطط النهائي.
والأهم أن التخطيط المتكامل قد يخلق قيمة أعلى من قيمة الأرض الخام، بدلاً من التعامل معها باعتبارها مجرد أصل للبيع.
2 ـ الممر الممتد من التجمع والعاصمة الإدارية إلى طريق العين السخنة
هذه منطقة ذات أهمية استثنائية، ويمكن ـ بعد الحصر والتأكد من الملكيات والاستعمالات ـ دراسة إنشاء مجتمعات عمرانية واستثمارية متكاملة فيها، تستفيد من قربها من العاصمة ومن شبكة الطرق ومن البحر الأحمر.
3 ـ المنطقة بين الشروق والعبور
وهي منطقة تتمتع بجاذبية عمرانية واستثمارية واضحة، وتستحق دراسة إمكانية تخطيطها كمجتمعات متكاملة بدلاً من التعامل مع الأراضي فيها بصورة مجزأة.
4 ـ الأراضي والمناطق المتاخمة للطريق الدائري الأوسطي
وخاصة المناطق الواقعة خلف العبور والشروق وبدر، حيث يمكن دراسة إمكانات إنشاء ممرات عمرانية واقتصادية جديدة، تربط المدن القائمة بمراكز إنتاج وخدمات واستثمار جديدة.
5 ـ محور القاهرة–الفيوم
ليس المطلوب النظر إلى الطريق باعتباره وسيلة انتقال فقط، وإنما دراسة ما حوله من أراضٍ ومواقع يمكن أن تتحول إلى ممر تنموي متكامل يربط القاهرة بالفيوم ويخلق مراكز عمرانية واقتصادية جديدة.
6 ـ طريق مصر–الإسكندرية الصحراوي
وهو نموذج آخر لممر يمكن أن يجمع بين الاستثمار العقاري والصناعي واللوجستي والتجاري والسياحي والخدمي، وفق طبيعة كل قطاع من الطريق.
7 ـ منطقة العين السخنة والامتدادات الساحلية على البحر الأحمر
هذه المنطقة يمكن أن تكون من أهم مراكز الاستثمار المصرية إذا جرى التعامل معها بمنظور متكامل يجمع بين السياحة والصناعة والخدمات اللوجستية والموانئ والمجتمعات العمرانية والاقتصاد البحري.
—
من بيع الأرض إلى صناعة المدن
الفكرة ليست أن نطرح الأرض للمستثمر ونقول له: هذه قطعة أرض، ابنِ عليها ما تشاء.
بل العكس تماماً.
نحن نريد أن نقول:
هذه منطقة استراتيجية؛ قمنا بقراءة موقعها، وحددنا إمكاناتها، ووضعنا لها رؤية عمرانية واقتصادية عالمية، وحددنا بنيتها الأساسية واستعمالاتها ومراكز جذبها، ثم نطرحها على أكبر المطورين والمستثمرين لتنفيذ مشروع متكامل.
ويجب ألا يكون التخطيط بمقاييس محلية فقط، وإنما بالاستعانة بأكبر بيوت الخبرة العالمية في التخطيط العمراني، وتصميم المدن، والنقل، والاقتصاد الحضري، والمنتجعات، والاستدامة، وإدارة المياه والطاقة.
نحن لا نريد تكرار مدينة موجودة.
نريد أن نصنع مدناً تنافس أفضل المدن الجديدة في العالم.
—
وهنا تأتي الفكرة الأكثر جرأة
لماذا لا ندرس، ضمن رؤية 2050، إنشاء ممرات مائية داخلية جديدة في المواقع التي تثبت الدراسات الهندسية والاقتصادية والبيئية جدواها؟
على سبيل المثال، يمكن دراسة فكرة إنشاء ممر مائي يربط البحر الأحمر بمناطق تنموية جديدة بالقرب من العاصمة، وإذا أثبتت الدراسات جدواه، يمكن أن تنشأ على جانبيه مدن ومجتمعات اقتصادية متكاملة.
فالممر المائي هنا لا يكون مجرد قناة، وإنما محوراً اقتصادياً وعمرانياً جديداً.
لكن هذه الأفكار الكبرى لا تُنفذ بالتصور وحده؛ بل تحتاج إلى دراسات جيولوجية وهيدرولوجية وبيئية وهندسية واقتصادية شديدة الدقة.
—
ماذا عن الديون؟
هنا يمكن أن نصل إلى الجانب الأكثر ابتكاراً في الرؤية.
بدلاً من التفكير التقليدي في أن الدولة يجب أن تدفع أموالاً ضخمة من الموازنة لإنشاء كل هذه المشروعات، يمكن دراسة نموذج يقوم على إدارة الأصول والشراكة مع القطاع الخاص وتسويات مالية مدروسة.
ومن بين البدائل التي تستحق الدراسة:
حصر الشركات التي لديها مستحقات أو مديونيات، ودراسة إمكانية تسوية جزء منها من خلال أصول أو حقوق تطوير أو حصص في مشروعات استثمارية، وفق تقييمات عادلة وضوابط قانونية ومالية صارمة.
وبذلك يمكن ـ إذا أثبت النموذج جدواه ـ تحقيق هدفين في الوقت نفسه:
إدارة الالتزامات المالية من ناحية، وتحويل الأصول غير المستغلة إلى مشروعات إنتاجية من ناحية أخرى.
أي أن الأرض لا تخرج من الدولة بلا قيمة مضافة، وإنما تتحول إلى مشروع اقتصادي منتج.
والقطاع الخاص يقوم بالتمويل والتطوير والتنفيذ، بينما تقوم الدولة بدورها الطبيعي في التخطيط والحوكمة والتنظيم وضمان الإطار القانوني وحماية المصلحة العامة.
—
مصر لا تحتاج إلى بيع ثروتها… بل إلى مضاعفة قيمتها
هذه هي الفلسفة التي يجب أن تحكم المشروع.
إذا كانت لدينا أرض تساوي رقماً معيناً وهي خام، فلماذا نبيعها بهذا الرقم؟
لماذا لا نسأل أولاً:
كيف نجعلها تساوي خمسة أضعاف؟ أو عشرة أضعاف؟
ليس بالمضاربة، وإنما بالتخطيط.
طريق جيد.
شبكة مرافق.
مدينة متكاملة.
مراكز أعمال.
جامعات.
مستشفيات.
فنادق.
مناطق ترفيهية.
مناطق صناعية ولوجستية.
مساحات خضراء.
وسائل نقل حديثة.
ممرات مائية حيثما تثبت جدواها.
ومجتمع متكامل يجعل الإنسان يريد أن يعيش ويعمل ويستثمر ويقضي وقته في المكان نفسه.
هنا تتحول الأرض من أصل ساكن إلى رأس مال اقتصادي متحرك.
—
خريطة استثمار مصر 2050
المقترح في النهاية ليس مشروعاً واحداً، وإنما خريطة وطنية للاستثمار والتنمية حتى عام 2050.
خريطة تحدد:
أين توجد الأصول القابلة للتنمية؟
أين توجد أفضل الممرات الاقتصادية؟
أين يمكن إنشاء مدن جديدة؟
أين يمكن إنشاء مراكز صناعية ولوجستية؟
أين يمكن تعظيم الاستثمار السياحي؟
أين يمكن إنشاء مجتمعات عمرانية متكاملة؟
أين يمكن أن تكون الموانئ والمطارات ومحاور النقل؟
وما النموذج الأفضل لكل منطقة؟
ثم يتم ترتيب هذه المشروعات حسب العائد الاقتصادي، والأولوية الاستراتيجية، وسرعة التنفيذ، وقدرتها على جذب القطاع الخاص.
—
الخلاصة
مصر ليست بلداً فقيراً.
مصر بلد يمتلك موقعاً جغرافياً استثنائياً، وأرضاً، وبحاراً، وطرقاً، ومدناً، وموانئ، وعقولاً، وسوقاً ضخمة، وأصولاً هائلة.
لكن الثروة لا تكفي وحدها.
الثروة تحتاج إلى عين تراها، وعقل يقرأها، وخطة تحولها إلى قيمة.
وقد تكون أكبر ثروة لمصر ليست في اكتشاف أصل جديد، وإنما في إعادة اكتشاف الأصول التي نملكها بالفعل.
نحن لا نحتاج إلى النظر إلى خريطة مصر باعتبارها خطوط طرق ومساحات من الأرض.
نحتاج أن ننظر إليها باعتبارها:
شبكة من الممرات الاقتصادية، والمدن المستقبلية، ومراكز الإنتاج، ومناطق الاستثمار، ومصادر الثروة.
والفكرة ببساطة:
> لا نبيع أرضاً… نبني عليها مستقبلاً.
> ولا نستهلك أصول مصر لسداد حاضرها، بل نحول أصولها إلى قوة تصنع مستقبلها.
هذه ليست مجرد خريطة أراضٍ.
إنها محاولة لرسم خريطة جديدة لاقتصاد مصر حتى 2050. @





