سياسات الطاقة تحت الضغط: كيف نحمي الاقتصاد والمواطن معًا؟

 

سياسات الطاقة تحت الضغط: كيف نحمي الاقتصاد والمواطن معًا؟

بقلم
المستشارة/ إسراء أسامه الطماوي
استشاري التنمية المستدامة وبناء القدرات القيادية والإدارية
الأمين العام لمحافظة الإسكندرية لمنظمة ميكرس للدراسات والبحوث الاستراتيجية والاقتصادية والعسكرية والسياسية وحقوق الإنسان

إدارة الأزمات بين ترشيد الموارد وحماية المجتمع
في لحظات التوتر الإقليمي، لا تُقاس القرارات بمدى شعبيتها، بل بمدى ضرورتها. لكن بين الضرورة والقدرة على التحمّل، تقف شريحة واسعة من المواطنين على حافة سؤال واحد: إلى أي مدى يمكننا الاستمرار؟

قرار إغلاق المحال التجارية في التاسعة مساءً، وتطبيق العمل عن بُعد ليوم أسبوعي للقطاع الحكومي، يأتيان في إطار سعي الدولة لترشيد استهلاك الطاقة في توقيت دقيق. قراءة كهذه تبدو منطقية على مستوى الإدارة العامة، لكنها على مستوى الشارع تحمل وجهًا آخر أقل هدوءًا.

صاحب المحل الذي يعتمد على ساعات المساء لتحقيق الجزء الأكبر من دخله، لا يرى في القرار مجرد تنظيم للوقت، بل تقليصًا مباشرًا لفرصته في البقاء. الموظف الذي يحسب التزاماته بالأرقام، لا يملك رفاهية خسارة أي جزء من دخله. هنا، يتحول القرار من إجراء إداري إلى معادلة معيشية حساسة.

ومن زاوية أخرى، فإن تقليل الإضاءة في الشوارع، رغم ما يحققه من وفر في الطاقة، قد يفتح بابًا لقلق مشروع يتعلق بالأمان العام. فالإضاءة ليست رفاهية حضرية، بل عنصر أساسي في شعور المواطن بالطمأنينة.

التحدي الحقيقي إذن، لا يكمن في القرار ذاته، بل في كيفية إدارته. فترشيد الموارد لا يجب أن يتحول إلى ضغط أحادي الاتجاه، يتحمله المواطن وحده.

تجارب دولية عديدة واجهت أزمات مشابهة، لكنها لم تكتفِ بالإجراءات التقشفية فقط. في بعض الدول الأوروبية، تم تقليل الإضاءة العامة، بالتوازي مع زيادة التواجد الأمني في الشوارع. وفي نماذج آسيوية، جرى تطبيق أنظمة عمل مرنة توزّع ساعات التشغيل بدل تقليصها، بما يحافظ على النشاط الاقتصادي دون استنزاف الطاقة. كما لجأت حكومات أخرى إلى تقديم حوافز مؤقتة لأصحاب الأعمال الصغيرة، لتخفيف أثر القرارات على دخولهم.

من منظور الاستدامة، فإن إدارة الأزمات لا تعني فقط تقليل الاستهلاك، بل تحقيق توازن دقيق بين ثلاثة عناصر: الموارد، والاقتصاد، والمجتمع. أي اختلال في هذا التوازن يهدد فعالية القرار على المدى الطويل.

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى حزمة إجراءات مكمّلة، لا تقل أهمية عن القرار نفسه:
تعزيز التواجد الأمني ليلًا، التوسع في استخدام الإضاءة الموفرة بدل الإطفاء، تقديم دعم مرحلي للفئات الأكثر تضررًا، وإتاحة قدر من المرونة في التطبيق وفق طبيعة الأنشطة المختلفة.

وفي المقابل، يقع على عاتق المواطنين وأصحاب الأعمال دور لا يقل أهمية، يتمثل في إعادة تنظيم أنماط العمل، وتقليل الهدر، والاستفادة من الحلول الرقمية التي قد تعوّض جزءًا من خسائر تقليص الوقت.

الغضب مفهوم… والقلق مشروع. لكن الأزمات لا تُدار بردود الفعل فقط، بل بقدرتنا على التكيّف الذكي معها.
ما نحتاجه ليس رفضًا مطلقًا ولا قبولًا صامتًا، بل شراكة واعية تعيد توزيع العبء بشكل عادل.

لأن أخطر ما في الأزمات ليس القرارات الصعبة… بل أن يشعر المواطن أنه يواجهها وحده..

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock