الفندق الدائرى …….. الوجه الجديد للضيافة المستدامة

بقلم: د. رفاء سمير
عضو هيئة تدريس في قطاع السياحه والفنادق
الفندق الدائري.. الوجه الجديد للضيافة المستدامة
من الفندق الأخضر إلى إعادة التفكير في دورة الموارد
لم تعد الاستدامة في صناعة الضيافة مجرد اتجاه حديث أو شعار ترفعه بعض الفنادق لجذب اهتمام النزلاء، وإنما أصبحت جزءًا متزايد الأهمية من طريقة إدارة المنشآت الفندقية وتطوير عملياتها وخلال السنوات الماضية ركزت الفنادق بصورة واضحة على ترشيد استهلاك المياه والطاقة والحد من المخلفات وتقليل استخدام البلاستيك وهي ممارسات أسهمت في ظهور مفهوم «الفندق الأخضر» وترسيخ مكانته داخل صناعة الضيافة.
لكن الصناعة تتغير باستمرار ومع ارتفاع الاهتمام بالموارد وكفاءة استخدامها بدأ مفهوم أكثر شمولًا في الظهور وهو الفندق الدائري (Circular Hotel) , والفكرة هنا لا تتعلق فقط بتقليل ما يستهلكه الفندق وإنما بإعادة التفكير في دورة الموارد منذ لحظة شرائها وحتى انتهاء استخدامها بحيث لا تتحول الأشياء سريعًا إلى مخلفات وإنما يتم الحفاظ على قيمتها لأطول فترة ممكنة.
في النموذج التقليدي، تسير الموارد في اتجاه واحد: شراء، ثم استخدام، ثم التخلص. أما التفكير الدائري فيضيف مراحل أخرى إلى هذه الرحلة، مثل الإصلاح وإعادة الاستخدام وإعادة التوظيف وإعادة التدوير واسترداد القيمة. ومن هنا يأتي الاختلاف الأساسي بين الفندق الأخضر والفندق الدائري؛ فالأول يركز على تقليل الأثر البيئي وتحسين كفاءة الاستهلاك، بينما يذهب الثاني إلى إعادة تصميم طريقة التعامل مع الموارد نفسها.
وتبدأ الدائرية من نقطة قد لا يلتفت إليها النزيل وهي عملية الشراء فعندما تختار إدارة الفندق أثاثًا أو أجهزة أو مفروشات جديدة يصبح من المهم النظر إلى عمر المنتج وقابليته للإصلاح وإمكانية إعادة استخدامه أو تدويره إلى جانب السعر والجودة وبذلك تتحول إدارة المشتريات من عملية تشغيلية تقليدية إلى أداة يمكن أن تدعم الاستدامة والاقتصاد الدائري.
ولا تتوقف الفكرة عند حدود الفندق، فالمؤسسة الفندقية جزء من منظومة اقتصادية ومجتمعية أكبر ويمكن للموردين والمزارعين وشركات إدارة المخلفات ومصانع إعادة التدوير أن يصبحوا شركاء في هذه المنظومة وهو ما يرتبط بمفهوم سلسلة التوريد المغلقة .(Closed-Loop Supply Chain)
ومن الأمثلة البسيطة على ذلك إمكانية جمع زيت الطهي المستخدم من الفنادق وإرساله إلى جهات متخصصة لإعادة معالجته واستخدامه في إنتاج الوقود الحيوي، أو الاستفادة من المخلفات العضوية في عمليات التسميد أو إنتاج الطاقة وفق الإمكانات المتاحة كما أن زيادة الاعتماد على الموردين المحليين يمكن أن تسهم في الاحتفاظ بجزء من القيمة الاقتصادية داخل المجتمع المحلي، وتدعم في الوقت نفسه سلاسل توريد أقصر وأكثر مرونة.
وتظهر أهمية الاقتصاد الدائري بصورة واضحة في المطابخ الفندقية خصوصًا مع ما يرتبط بالبوفيهات من كميات كبيرة ومتنوعة من الأغذية فالحد من هدر الطعام لا يبدأ بعد انتهاء الوجبة وإنما يبدأ قبل ذلك بكثير من خلال التخطيط للمشتريات ودراسة الطلب وتحسين التخزين وضبط كميات الإنتاج وإدارة عرض الأصناف وإعادة تعبئتها.
فكل كمية يتم إنتاجها دون حاجة ثم لا تجد طريقها إلى الاستهلاك تمثل هدرًا للغذاء، وللمياه والطاقة والعمالة والموارد التي استخدمت في إنتاجها ونقلها وإعدادها ولهذا فإن أفضل إدارة لهدر الطعام هي التي تمنعه من البداية ثم تبحث بعد ذلك عن أفضل الطرق للاستفادة مما يتبقى.
ومع تطور البنية التكنولوجية أصبحت عملية التحول نحو الدائرية أكثر قابلية للقياس والمتابعة فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في التنبؤ بالطلب على الأغذية والمشروبات، وإنترنت الأشياء يتيح مراقبة استهلاك المياه والطاقة بينما تساعد الأنظمة الرقمية في متابعة المخزون والمشتريات وتحديد مصادر الهدر.
ومهما بلغت أهمية التكنولوجيا، فإن العنصر البشري يظل أساس نجاح هذه المنظومة فالشيف الذي يخطط لكميات الإنتاج بدقة وموظف المشتريات الذي يختار المورد المناسب وموظف الصيانة الذي يعطي الأولوية للإصلاح عندما يكون ممكنًا وموظف التدبير الفندقي الذي يحافظ على المفروشات والمعدات جميعهم يساهمون بصورة مباشرة في بناء الفندق الدائري.
ومن هنا تبرز أهمية الكفاءات المستدامة داخل سوق العمل الفندقي؛ فالموظف في المستقبل لن يكون مطلوبًا منه فقط أن يقدم خدمة جيدة للنزيل، وإنما سيكون من المهم أيضًا أن يمتلك القدرة على استخدام الموارد بكفاءة والتعامل مع التكنولوجيا والمساهمة في تطبيق الممارسات المستدامة ضمن عمله اليومي.
وفي المقابل لا تعني الدائرية أن يصبح الفندق أقل رفاهية فالتكنولوجيا التي تساعد على خفض استهلاك الطاقة يمكن في الوقت نفسه أن تجعل الغرفة أكثر راحة وإدارة المياه بكفاءة لا تعني بالضرورة تقليل مستوى الخدمة كما يمكن أن تتحول المنتجات المحلية والمستدامة إلى عنصر يضيف قيمة حقيقية إلى تجربة الطعام والشراب داخل الفندق.
وهذا يقود إلى نقطة مهمة، وهي أن الاستدامة لم تعد بالضرورة عبئًا على تجربة النزيل بل يمكن أن تصبح جزءًا منها فالنزيل المعاصر أصبح أكثر اهتمامًا بكيفية إنتاج ما يستهلكه ومصدر الطعام وطريقة إدارة الفندق لموارده وهو ما يفتح المجال أمام المنشآت التي تنجح في الجمع بين الاستدامة وجودة الخدمة لتقديم تجربة أكثر تميزًا.
ومن الناحية الاقتصادية قد يحتاج التحول الدائري في بدايته إلى استثمارات في التكنولوجيا والتدريب وإعادة تصميم بعض العمليات إلا أن النظر إليه باعتباره تكلفة فقط لا يعكس الصورة كاملة فخفض الهدر وتحسين كفاءة الموارد يمكن أن يساعدا في تقليل بعض المصروفات التشغيلية كما يمكن لإعادة استخدام المنتجات وإطالة عمرها أن تقلل الحاجة إلى الاستبدال المتكرر.
كذلك فإن الاتجاه العالمي نحو الحد من المخلفات والبلاستيك أحادي الاستخدام وتحسين كفاءة الطاقة، وإطالة عمر المنتجات وإعادة استخدامها وتدويرها يجعل الممارسات البيئية القابلة للقياس أكثر حضورًا في المنافسة السياحية والفندقية. ومن ثم تتحول الاستدامة تدريجيًا من مجرد التزام بيئي إلى عنصر من عناصر القدرة التنافسية.
وفي مصر، فإن الحديث عن الفندق الدائري لا يعني أننا نبدأ من نقطة الصفر فقد قطعت الدولة المصرية خطوات مهمة في مجال الاستدامة الفندقية ويأتي برنامج النجمة الخضراء للفنادق (Green Star Hotel) في مقدمة المبادرات التي ساعدت على ترسيخ الممارسات البيئية داخل القطاع الفندقي.
ويغطي البرنامج عددًا من الجوانب المهمة من الطاقة والمياه والمخلفات إلى الأغذية والمشروبات والتدبير الفندقي والتدريب، وهو ما يعكس اهتمامًا بتطوير الأداء البيئي للمنشآت الفندقية ورفع كفاءتها.
ومن وجهة نظري، فإن الانتقال من الفندق الأخضر إلى الفندق الدائري لا يمثل قطيعة مع ما تم إنجازه وإنما يمثل امتدادًا طبيعيًا وتطورًا للجهود السابقة في مجال الاستدامة الفندقية.
فالفندق الذي بدأ بترشيد استهلاك الطاقة والمياه يستطيع أن ينتقل إلى مرحلة أكثر تقدمًا من إدارة دورة الموارد، والفندق الذي بدأ في فصل المخلفات يستطيع أن يتوسع نحو إعادة الاستخدام واسترداد القيمة كما يمكن للممارسات المتعلقة بالشراء الأخضر أن تتطور إلى بناء سلاسل توريد أكثر دائرية.
وهنا تمتلك مصر فرصة مهمة لتطوير نموذجها الخاص في الضيافة الدائرية مستفيدة من الخبرات الدولية الحديثة وفي الوقت نفسه من طبيعة المقصد المصري وتنوع موارده ومقاصده السياحية ويمكن لهذا الاتجاه أن يدعم كفاءة التشغيل ويعزز دور الموردين المحليين، ويفتح مجالات جديدة للابتكار إلى جانب مساهمته في الحفاظ على الموارد والحد من الهدر.
والتحول لا يحتاج إلى أن يحدث دفعة واحدة يمكن أن يبدأ الفندق بقياس استهلاكه، وتحديد مصادر الهدر ووضع أولويات واضحة ثم تدريب العاملين، والتعاون مع الموردين والاستفادة من التكنولوجيا في متابعة النتائج ومع الوقت تتحول الدائرية من مجموعة من الإجراءات المنفصلة إلى أسلوب إداري متكامل.
في النهاية، يبدو أن مستقبل الضيافة المستدامة لن يتوقف عند حدود الفندق الأخضر فالمنافسة القادمة لن تكون فقط حول الفندق الأكثر توفيرًا للطاقة أو الأقل إنتاجًا للمخلفات وإنما حول الفندق القادر على إعادة التفكير في دورة موارده بالكامل.
الفندق الدائري لا يعني فندقًا بلا مخلفات وإنما فندقًا يعرف قيمة موارده ويعمل على إطالة عمرها وإعادة استخدامها واسترداد قيمتها كلما كان ذلك ممكنًا.
وهكذا يصبح الانتقال من الفندق الأخضر إلى الفندق الدائري أكثر من مجرد تطور في المصطلحات؛ إنه تحول في فلسفة إدارة الضيافة نفسها وفي الطريقة التي يمكن بها للفندق أن يجمع بين الكفاءة الاقتصادية والمسؤولية البيئية وجودة تجربة النزيل.
ومن هنا قد يكون الفندق الدائري هو الوجه القادم للضيافة المستدامة… ليس لأنه يقدم خدمة أقل، وإنما لأنه يقدم ضيافة أكثر ذكاءً وكفاءة واستدامة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock