مصر والصين… شراكة استراتيجيةفي زمن التحولات الدولية

مصر والصين.. شراكة إستراتيجية في زمن التحولات الدولية

دلالات زيارة الرئيس الصيني إلى القاهرة وتوازنات السياسة المصرية في المنطقة

بقلم \د.. شريف فريد البسيونى    خبير العلاقات الدولية والامن الاقليمي

مقدمة: زيارة في توقيت يتجاوز العلاقات الثنائية
تأتي الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر في لحظة تتجاوز في دلالاتها حدود العلاقات الثنائية بين القاهرة وبكين؛ فالعالم يشهد واحدة من أكثر مراحل التحول الدولي تعقيداً منذ نهاية الحرب الباردة، بينما تتداخل الصراعات العسكرية مع أدوات الضغط الاقتصادي والعقوبات وإعادة تشكيل خرائط التجارة والطاقة والتحالفات.
وتكتسب الزيارة أهمية مضاعفة بالنسبة إلى مصر، ليس فقط لأنها تأتي في العام الذي تحتفل فيه القاهرة وبكين بمرور سبعين عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية، وإنما لأنها تأتي في توقيت إقليمي شديد الحساسية، تتفاعل فيه تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية مع أمن الطاقة والملاحة، وتتسع فيه دائرة العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران والجهات المتعاملة معها، وفي مقدمتها جهات وشركات مرتبطة بالصين.
ومن ثم، فإن أهمية الزيارة لا تكمن فقط في مضمون العلاقات المصرية الصينية، وإنما في دلالتها بالنسبة إلى موقع مصر في نظام دولي وإقليمي يشهد تغيرات متسارعة، وفي قدرة القاهرة على الحفاظ على علاقات متوازنة مع القوى الكبرى، بما يخدم مصالحها الوطنية ويحافظ على إستقلال قرارها السياسي.
أولًا: سبعة عقود من العلاقات المصرية الصينية.. من التقارب السياسي إلى الشراكة الاستراتيجية
تتمتع العلاقات المصرية الصينية بعمق تاريخي وسياسي يجعلها مختلفة عن كثير من العلاقات التي نشأت في إطار التحولات الدولية الأخيرة، فقد كانت مصر أول دولة عربية وإفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية في 30 مايو 1956، وهو قرار عكس مبكراً إستقلال الرؤية المصرية وإنفتاحها على القوى الصاعدة خارج إطار الاستقطاب التقليدي.
وخلال سبعة عقود، إنتقلت العلاقات من التعاون السياسي والتنسيق في القضايا الدولية إلى شراكة أكثر اتساعاً، وصولاً إلى إعلان الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين عام 2014.
وفي عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، إكتسبت العلاقات المصرية الصينية زخماً واضحاً، إنعكس على إنتظام التواصل بين قيادتي البلدين وتوسيع مجالات التعاون، وربط الجانب الاقتصادي بأهداف التنمية المصرية، بما جعل الصين أحد الشركاء الدوليين المهمين في عدد من المشروعات والقطاعات الحيوية.
ثانيًا: مصر وتعدد الشراكات.. سياسة خارجية تقوم على توسيع الخيارات
من أبرز سمات السياسة الخارجية المصرية خلال عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي السعي إلى بناء علاقات متوازنة ومتنوعة مع القوى الدولية والإقليمية، دون وضع الدولة المصرية في إطار إصطفاف مغلق أو ربط مصالحها بشريك واحد.
فمصر ترتبط بعلاقات إستراتيجية مع الولايات المتحدة، وشراكات تاريخية مع أوروبا، وعلاقات وثيقة مع الدول العربية والإفريقية، وفي الوقت نفسه تطورت علاقاتها مع الصين وروسيا والهند وغيرها من القوى المؤثرة.
وهذه السياسة لا تعني تغييراً في ثوابت مصر أو إنتقالها من محور إلى آخر، وإنما تعكس إدراكاً لطبيعة النظام الدولي المتغير، حيث أصبح تنويع الشراكات عنصراً مهماً في حماية المصالح الوطنية وتعزيز القدرة على الحركة.
وفي هذا السياق، تمثل العلاقة مع الصين أحد مكونات الرؤية المصرية الأوسع؛ فالقاهرة لا تتعامل مع بكين بإعتبارها بديلاً، وإنما بإعتبارها قوة دولية كبرى يمكن التعاون معها في مجالات التنمية والإستثمار والتكنولوجيا والتجارة، إلى جانب التنسيق السياسي في القضايا ذات الاهتمام المشترك.
ثالثًا: العقوبات الأمريكية على إيران..تداخل الاقتصاد مع حسابات السياسة الدولية
تأتي زيارة الرئيسي الصيني إلى القاهرة في ظل ظرف دولي بالغ الحساسية، بعد إتساع نطاق العقوبات الأمريكية المفروضة على والجهات التي تتعامل معها.
ففي 24 أغسطس 2026 أطلقت وزارة الخزانة الأمريكية حملة إقتصادية واسعة تحت إسم Operation Economic Outcast، إستهدفت شبكات وكيانات مرتبطة بإيران، وتزداد حساسية هذا الملف بالنسبة إلى الصين بحكم علاقاتها الاقتصادية مع إيران، وهو ما يجعل بكين طرفاً مهماً في تداعيات سياسة العقوبات الأمريكية، خصوصاً أن الإجراءات الجديدة تستهدف أيضاً جهات مرتبطة بتجارة النفط الإيراني وغيرها من الأنشطة الاقتصادية.
لكن أهمية الأمر بالنسبة إلى مصر لا ترتبط فقط بالموقف الصيني من العقوبات، وإنما بما يمكن أن ينتج عنها من تداعيات أوسع على المنطقة والعالم، سواء بالنسبة إلى أسعار الطاقة أو حركة التجارة أو أمن الملاحة أو سلاسل الإمداد.
وهنا تبرز خصوصية الموقف المصري؛ فالقاهرة ليست طرفاً في هذا الاستقطاب، لكنها معنية بصورة مباشرة بتداعياته بحكم موقعها الجغرافي ودورها في أمن البحر الأحمر وحركة التجارة العالمية عبر قناة السويس، ومن ثم، فإن الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية يصبح بالنسبة إلى مصر جزءاً من إدارة المصالح الوطنية في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
رابعًا: زيارة الرئيس الصيني دلالة على الثقل المصري والدور المحوري في المنطقة
إن إختيار مصر ضمن التحركات الخارجية للرئيس الصيني في هذا التوقيت يحمل دلالة سياسية مهمة، خاصة أن الرئاسة المصرية أكدت أن الزيارة تستهدف تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، إلى جانب تبادل الرؤى حول عدد من القضايا الإقليمية والدولية.
ومصر بالنسبة إلى الصين ليست مجرد سوق كبيرة أو دولة تقع في منطقة جغرافية مهمة؛ بل إن الصين تقدر جيداً الدور المحوري الذي تضطلع به مصر في دعم الأمن والاستقرار في المنطقة، فضلاً عن ثقلها السياسي والتاريخي داخل العالم العربي والقارة الإفريقية.
وفي عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، اتجهت السياسة الخارجية المصرية إلى استعادة وتأكيد حضور القاهرة كنقطة التقاء بين دوائر متعددة: آسيا وإفريقيا وأوروبا، والشرق الأوسط والبحر الأحمر والمتوسط، ومن هنا، فإن العلاقة مع القاهرة تمنح بكين قناة مهمة للتواصل السياسي والاقتصادي مع منطقة ذات أهمية إستراتيجية كبيرة، بينما تمنح مصر في المقابل مساحة أوسع لتنويع علاقاتها الدولية وتعظيم الاستفادة من الشراكة مع إحدى أكبر القوى الاقتصادية في العالم.
وهذا يعني أن مصر تمتلك أوراقاً سياسية وجغرافية ودبلوماسية تجعل حضورها ضرورياً في أي مقاربة جادة لأمن وإستقرار المنطقة.
خاتمة: مصر.. شراكات متعددة وقرار وطني مستقل
في ضوء ذلك، تبدو زيارة الرئيس الصيني إلى مصر أكثر من كونها محطة مهمة في العلاقات الثنائية؛ فهي تأتي في لحظة تتغير فيها قواعد الحركة داخل النظام الدولي، وتتزايد فيها أهمية الدول التي تستطيع الحفاظ على علاقاتها المتنوعة دون أن تفقد إستقلال قرارها.
فالقاهرة لا تنظر إلى الصين بإعتبارها بديلًا عن علاقاتها الدولية مع أحد، وإنما تتحرك وفق قاعدة أكثر هدوءاً وواقعية: تنويع الشراكات بما يوسع الخيارات ويحمي ويعزز الأمن القومي المصري.
وفي ظل الحرب الأمريكية الإيرانية والعقوبات الاقتصادية وتداعياتها على الدول والشركات المتعاملة مع طهران، تزداد قيمة هذا النهج؛ لأن الاقتصاد أصبح جزءاً أساسياً من أدوات الصراع الدولي، وأصبح من الصعب فصل الأمن الإقليمي عن التجارة والطاقة والممرات البحرية والعلاقات الاقتصادية.
ومن هنا، فإن الدور المصري في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي يقوم على الحفاظ على مساحة الحركة، وتعدد قنوات الاتصال، والإستفادة من الموقع والثقل الدبلوماسي دون الانخراط في إستقطابات قد تفرض على مصر خيارات لا تتفق بالضرورة مع مصالحها.
وتعكس هذه المعطيات قدرة مصر على الحفاظ على موقعها كطرف فاعل في قضايا الإقليم، مع الإبقاء على قنوات الإتصال مفتوحة مع مختلف القوى الدولية.
وفي عالم تتغير فيه موازين القوة بصورة متسارعة، فإن الحفاظ على هذه المساحة من الحركة قد يكون في حد ذاته أحد أهم عناصر القوة المصرية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock