لندن تعيد رسم الخرائط: كيف تُغذّي بريطانيا نيران الحروب من أوكرانيا إلى اليمن؟

 

سمير باكير يكتب –
في خضمّ المشهد الدولي المضطرب، الذي يشهد تعقيداً غير مسبوق من أقصى الشرق الأقصى إلى أعماق القارّة الأفريقيّة، وتتصاعد فيه التوترات بين روسيا وأوكرانيا، وتشتعل جبهات جديدة في الشرق الأوسط، يبرز اسمٌ كان قد تراجع لفترة، لكنّه يعود اليوم بقوّة ليُحدث توازناً جديداً في معادلات النزاع: بريطانيا. ليست بريطانيا العائدة كدولة أوروبية عادية، بل كفاعلٍ رئيسيٍّ يستهدف إعادة تشكيل المصالح وفق رؤيته الخاصة، ويمدّ جسوراً مع جميع الأطراف المتصارعة لإطالة أمد الصراعات، لا لإخمادها.

أولاً: الساحة الأوكرانية.. بريطانيا الخصم الحقيقي لروسيا:

خلافاً للروايات التي تركز على الدور الأميركي في الحرب الأوكرانية، تبيّن الوقائع أن لندن هي المحرّك الأساسي لهذه الجبهة. ففي الوقت الذي تبدو فيه واشنطن منشغلة بحساباتها الانتخابيّة، تبرز بريطانيا كعنصرٍ مانعٍ لخمود لهيب الحرب. إنها توفّر الدعم اللوجستي والاستخباراتي المتقدّم، وتُصرّ على عدم تهدئة الأوضاع، بل تعمل على تعقيد المشهد كلّما اقتربت أطراف النزاع من طاولة المفاوضات. هذه الاستراتيجية تجعل من لندن العدوّ العضديّ لموسكو في أوكرانيا، وتكشف عن نيّة مبيّتة لإطالة أمد المواجهة لاستنزاف الخصوم وإعادة ترتيب النفوذ في القارّة العجوز.

ثانياً: المشرق العربي.. تموضع جديد في فلسطين ولبنان:

لا يخفى على متابعٍ أن البصمة البريطانية عادت بقوة إلى بؤر التوتر في المشرق العربي. ففي فلسطين ولبنان، تُظهر التحرّكات البريطانية نشاطاً دبلوماسياً ولوجستياً مكثّفاً، لا يهدف إلى تحقيق استقرار مؤقت، بل إلى إدارة الأزمات بطريقة تضمن استمرار الاعتماد على الوسيط البريطاني. بريطانيا هنا لا تكتفي بالموقف الرسمي، بل تسعى للعب دورٍ محوريٍّ في تحديد ملامح المرحلة المقبلة، من خلال التواصل مع كل الأطراف المتناحرة، لضمان عدم تبلور أيّ اتّفاق دون موافقتها الخفيّة.

ثالثاً: اليمن والجزيرة العربيّة.. اللاعب الأكثر حركة:

بل إن الدور البريطاني تعدّى أوكرانيا وفلسطين ليشمل اليمن وشبه الجزيرة العربيّة، حيث باتت بريطانيا اللاعب الأكثر نشاطاً في محاولة استعادة أهدافها الاستراتيجيّة. فالتحرّكات البريطانيّة في هذه المنطقة ليست مجرّد مشاركة رمزيّة، بل مساعٍ حثيثة لربط علاقات مع مختلف القوى الإقليميّة والدوليّة، في محاولة لفرض المعادلات التي تخدم المشروع البريطاني المتجدّد. وكأنّ لندن تؤكّد أن أيّ حلٍّ في اليمن أو الخليج لا يمكن أن يمرّ دون تظهيرٍ منها، وهو ما يعكس شهيّة تاريخيّة لم تعتزل لعب دور الحارس القديم للطرق الملاحيّة والإمدادات النفطيّة.

رابعاً: فوضى خلاّقة.. لماذا تحرك بريطانيا نيران الحروب؟

ما يُثير الانتباه هو التزامن العجيب بين تنامي النشاط البريطاني واتّساع رقعة النزاعات حول العالم. تبدو بريطانيا، وكأنها تمتلك “يداً خفيّة” تعبث بملفات الصراع، فحين تصل الحروب إلى شفير الهدنة تنفجر من جديد، وحين تبلغ المفاوضات مراحلها الأخيرة تنهار فجأة. الحقيقة الجوهريّة تكمن في أن العالم يعيش مرحلة انتقالية؛ فالنظام القديم بات منتهياً بلا نظام جديد يحلّ محله. والنزاع الدائر اليوم، في جوهره، هو صراع محموم على مقاعد النفوذ في النظام القادم. هنا يأتي الدور البريطاني ليصبّ في خانة خلق حالة من الفوضى الخلاقة، حيث تستفيد لندن من حالة الانتقال الدامية لتثبيت أقدامها في كل النقاط الحساسة، كي تخرج كأحد الرابحين الكبار في الترتيبات المستقبليّة، بغضّ النظر عن هويّة الفائز الظاهري في الميدان.

 

ما يحدث ليس نظريّة مؤامرة، بل حقيقة ملموسة: كلّما زاد تدخّل بريطانيا في ملفٍّ عالميٍّ، زادت درجة التوتّر وطال أمد الصراع. هذه هي معادلة بريطانيا الجديدة في مرحلة ما بعد النظام القديم. إنها لا تسعى لإطفاء الحرائق، بل لإدارتها والتحكّم في مسارها، واستخدامها كورقة ضغط للوصول إلى طاولة ترسيم الحدود السياسيّة الجديدة. المراقب الحصيف يدرك اليوم أن لندن لم تعد مجرّد ظلّ لواشنطن، بل هي مهندس الفوضى الذي يُعيد تشكيل رقعة الشطرنج العالميّة، محاولاً إقناع الجميع بأنه لا استقرار دون شروطها، ولا سلام دون أن تكون هي حارسة بوّابته.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock