رهان الممكن وعقدة الجغرافيا: قراءة تفكيكية في الاتفاق الإيراني الأمريكي

كتبت_داليا محمد

وضعت مذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية الأخيرة منطقة الشرق الأوسط أمام مشهد جيوسياسي جديد، تداخلت فيه حسابات القوة الميدانية ببراغماتية الدبلوماسية. ولم يكن هذا الحدث مجرد تهدئة عابرة، بل جاء نتاج عملية مركبة استثمرت فيها الأطراف المعنية أوراق الضغط لفرض شروطها على طاولة المفاوضات.

وجاء الإعلان المشترك من قمة مجموعة السبع ( G7 ) ليعكس رغبة دولية في خفض التصعيد؛ حيث أطلق الاتفاق فترة 60 يوماً من المفاوضات الفنية المعقدة، بناءً على وساطة قادتها باكستان بالتعاون مع قطر وسلطنة عُمان، في محاولة لصياغة معادلة أمنية جديدة تختبر مدى التزام الأطراف بوعودها المتبادلة.

بنود وثيقة الإطار: مقايضة الاستقرار بالشرعية المالية

تتجاوز مسودة الاتفاق بنقاطها الأربع عشرة فكرة الوقف المؤقت لإطلاق النار، لتؤسس لإطار إجرائي صارم. وتكشف المعطيات الرسمية المنشورة عن عملية مقايصة دقيقة بين الملفات؛ إذ نصت المسودة على تجميد أنشطة التخصيب الإيرانية عند المستويات الحالية وتخفيض مخزون اليورانيوم عالي النقاء، مع إخضاع المنشآت لنظام تفتيش صارم تشرف عليه الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA)

في المقابل، قدمت واشنطن التزامات مالية فورية تشمل تعليق العقوبات المفروضة على قطاعي النفط والبتروكيماويات، والبدء في الإفراج التدريجي عن 24 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج، على أن يتاح نصفها كشرط مسبق لبدء المفاوضات الفنية.

ويقضي الاتفاق في نهايته بتبني الصياغة النهائية عبر قرار ملزم من مجلس الأمن الدولي لتوفير الشرعية القانونية، مع إطلاق برامج لإعادة الإعمار بمستهدفات مالية كبرى تضمن تدفق الاستثمارات الدولية مقابل الالتزام بالاتفاق النووي، في حين جرى الاستبعاد الكامل لملف البرنامج الصاروخي والقدرات الباليستية الإيرانية من جدول الأعمال.

 العصب الحساس: مضيق هرمز وإعادة هندسة الملاحة البحرية

 أثبتت التطورات الميدانية أن مضيق هرمز يظل المحرك الأساسي للسلوك الإستراتيجي للقوى الدولية والإقليمية. ووفقاً للبيانات الصادرة عن البيت الأبيض ووزارة الخارجية الإيرانية، فإن التفاهم قضى بالرفع الفوري للحصار البحري الأمريكي المفروض على الموانئ الإيرانية، مقابل تعهد طهران بضمان العبور الآمن والمستقر للسفن التجارية عبر المضيق، وإعادة حركة الملاحة إلى معدلاتها الطبيعية في غضون 30 يوماً.

وتتولى إيران بموجب الاتفاق إدارة وتنظيم حركة المرور بالتنسيق مع سلطنة عُمان، مع استثناء القطع العسكرية الأجنبية. وفي حين أكدت تصريحات نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس أن واشنطن تتوقع فتح المضيق دون أي رسوم مرور على المدى الطويل، فإن الآلية الإجرائية لضمان التدفق التجاري وخفض أسعار الطاقة عالمياً ستشكل جوهر النقاشات الفنية، بهدف تفكيك أزمة الملاحة التي هددت سلاسل التوريد الدولية طوال أشهر المواجهة.

 ترابط الجبهات: شمول الساحة اللبنانية كحتمية جيوإستراتيجية

 يحمل البند الأول من مذكرة التفاهم دلالة إستراتيجية بالغة بالنص صراحة على “وقف فوري ودائم للعمليات العسكرية على كافة الجبهات بما في ذلك الساحة اللبنانية، ” ويعكس هذا الشمول سقوط فرضية “فصل الجبهات”؛ إذ أكدت المراسلات الدبلوماسية المرافقة للمفاوضات أن واشنطن رأت في استمرار التصعيد في شرق المتوسط تهديداً مباشراً لأي تفاهمات تجري في الخليج العربي.

هذا الترابط العضوي يفرض التزاماً جيوإستراتيجياً بوقف إطلاق النار الشامل وتأمين الحدود، ويمتد حكمياً ليشمل الفاعلين الإقليميين المرتبطين بطهران، مما يحول الاتفاق من مجرد تسوية ثنائية بين دولتين إلى مظلة أمنية إقليمية تسعى لنزع فتيل الانفجار في الجبهات المترابطة كافة.

الدوافع الأمريكية في مواجهة التوجس الإسرائيلي

تكشف التصريحات الرسمية الصادرة من واشنطن وتل أبيب عن تباين واضح في قراءة التداعيات الإستراتيجية للاتفاق. فمن جهة، ركزت إدارة الرئيس دونالد ترامب عبر منصة “تروث سوشيال” على إبراز المكاسب الاقتصادية والأمنية، معتبرة أن الاتفاق يمنع إيران من حيازة السلاح النووي ويحمي الملاحة الدولية بأقل كلفة ممكنة، تماشياً مع عقيدة ” أمريكا أولا”. 

في المقابل، أبدى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو توجساً شديداً، وتوجه بطلب عاجل لعقد لقاء مع ترامب ومسؤوليه؛ وتستند المخاوف الإسرائيلية إلى أن استبعاد ملف الصواريخ الباليستية وشبكة الحلفاء الإقليميين من نصوص الاتفاق يمنح طهران شرعية دولية وغطاءً مالياً بفضل رفع الحصار وضخ المليارات، مما يتيح لها تعزيز نفوذها الإقليمي والتقاط الأنفاس تحت مظلة سياسية دولية، وهو ما تراه تل أبيب تهديداً لأمنها القومي على المدى الطويل.

ميزان القوى الجديد: من حافة الهاوية إلى طاولة المفاوضات

 جاء قبول الطرفين بالجلوس إلى طاولة المفاوضات انعكاساً لتوازن قوى فرضته الظروف الميدانية على الأرض. فقد استخدمت طهران قدرتها على تعطيل حركة التجارة العالمية في مضيق هرمز كورقة ضغط في ذروة الأزمة، مما مكنها من فرض شروطها المتعلقة برفع الحصار الاقتصادي التام واستبعاد قدراتها الصاروخية والدفاعية من المفاوضات.

وفي المقابل، استخدمت واشنطن سلاح العقوبات الاقتصادية والحصار البحري كأداة دفع لإجبار طهران على تقديم تنازلات تقنية ملموسة في ملفها النووى، وهنا برز دور القنوات الخلفية عبر جهود وساطة ممتدة أدارتها باكستان لتجسير الفجوة الأمنية، بالتكامل مع أدوار ميسرة لعبتها قطر وسلطنة عُمان لتنسيق الملفات المالية واللوجستية. وقد تكللت هذه المساعي متعددة الأطراف بنجاح التوقيع الإلكتروني الأولي، ليثبت أن الاتفاق هو نتاج معادلة ردع متبادل اعترف فيها كل طرف بثقل الآخر، لتصبح فترة الـ 60 يوماً القادمة المختبر الحقيقي لمطابقة النصوص السياسية مع الإجراءات الفنية على أرض الواقع.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock