
ما هو العنف التوليدي
جريدة مصر المحروسة
ما هو العنف التوليدي؟
متابعة فاطمة مصطفي
هل عيب نتكلم عنه؟
وهل بنشوّه صورة مصر لما نقول إن فيها عنف توليدي؟
– من أيام، والدنيا مقلوبة بعد بوست من الدكتورة أمنية سويدان تناولت فيه وقائع شهدتها من الإساءة والإيذاء والانتهاك المتعمد لسيدات دخلوا مستشفى الشاطبي علشان الولادة، وتعرضوا لده.
– فيه حيرة وجدل عند الناس بما فيهم الأطباء مفهومين، ناس بيقولوا إذا كان ده بيحصل فدي مصيبة لازم نواجهها ونعالجها بجدية، لكن ناس وأطباء تانيين بيقولوا إن طريقة الإدلاء بالمعلومات دي والوقائع دي ممكن تخوف الناس من الخدمات الطبية في المستشفيات الحكومية، وممكن توصم كل الأطباء في مصر بدون مبرر.
– للأسف الدولة تعاملت مع الموضوع بمنطق أمني مرفوض، وهو القبض على الطبيبة بدلا من الإنصات إليها ونقاشها، وفي المقابل جامعة الإسكندرية فتحت تحقيق، ودي خطوة كويسة، لكن احنا محتاجين حاجة أكبر من كده، وده اللي هنفهمه لما نشرح يعني إيه عنف توليدي.
يعني إيه عنف توليدي؟
– العنف التوليدي هو ترجمة لمصطلح obstetric violence ويقصد به إساءة معاملة المرأة أو انتهاك كرامتها أو جسدها أثناء الحمل أو الولادة أو ما بعد الولادة.
– الموضوع ده بدأ الالتفات إليه في أمريكا اللاتينية، وده مفهوم، لأن أمريكا اللاتينية دي بلدان شبيهة جدا ببلداننا، بلدان عالم تالت الموارد فيها محدودة، وثقافة الحقوق والحريات والأخلاقيات المهنية فيها مازالت بتنضج.
– فنزويلا سنة 2007 قررت إنها تقود نقاش عالمي حوالين الموضوع ده، وبالفعل بدأت منظمة الصحة العالمية تهتم، وتقول تعالوا ندرس فعلا هل دي ظاهرة منتشرة ولا لأ؟
– تم تعريف سبع أشكال للعنف التوليدي هي: 1. العنف الجسدي 2. العنف الجنسي 3. العنف اللفظي 4. الوصم والتمييز 5. عدم الالتزام بالمعايير المهنية للرعاية الطبية 6. ضعف التواصل مع المرأة متلقية الخدمة الطبية 7. نقص الموارد ونقص الخصوصية.
– الوعي بالعنف التوليدي بدأ من اللحظة دي، ودراسات مختلفة اتعملت في مناطق مختلفة في العالم لقياسه، بعض الدراسات بتقول أنه ممكن يوصل ل59٪ في كثير من البلدان حول العالم.
نماذج منتشرة للعنف التوليدي
– علشان نبسط الكلام ده ونشرحه، خلينا نتخيل إيه اللي بيحصل مع الست لما بتدخل مستشفى للولادة، الست دي مثلا بتخضع لفحص مهبلي، والفحص المهبلي ده أحيانا يجب أن يكون متكرر.
– طيب الفحص المهبلي ده ممارسة حسّاسة جسديا ونفسيا، ومؤلمة، وبالتالي المفروض الدكتور يهتم إنه في كل مرة هيعمله ياخد موافقة جديدة من المريضة: يا ستي أنا هعمل كذا، لمدة كذا، وسبب ده كذا، موافقة ولا لأ؟
– بعض الدكاترة مش علشان مجرمين لكن علشان مش منتبهين لأخلاقيات المهنة أو لم يتعلموها بشكل جيد في الدراسة، أو بيكونوا تحت ضغط عمل شديد، مش بيهتموا يعملوا ده، بيمارسوا الفحص بشكل متكرر وأحيانا بدون مبرر كافي، ومش عارفين مدى الإيذاء اللي الست بتتعرض له بسبب ده.
– الست عندها طلق علشان الولادة، الطلق ضعيف، فالدكتور يبدأ يديلها محفزات للطلق اللي احنا بنسميه طلق صناعي، مرة تانية لازم استئذان الست، لازم نتأكد إن فعلا فيه مبرر لده، مش نعمله عمال على بطال، دكاترة كتير مش بياخدوا بالهم من ده، والنتيجة وقوعهم في انتهاك خطير لحقوق السيدة متلقية الخدمة الطبية.
– الست دخلت الولادة، فالدكتور يرى إنها بحاجة إلى تدخل طبي اسمه “شق العجان” لتسهيل عملية الولادة، لازم لو الست فايقة يشرحلها ده، ويعمله فقط للضرورة، لأن آثاره أحيانا بتكون سلبية جدا على صحة المرأة الجنسية، وألمه فظيع.
– دكاترة كتير في العالم كله، وفي مصر طبعا ضمن العالم، بيتساهلوا جدا في إنهم يعملوا التدخل الخطير ده.
– الست عايزة جوزها أو والدتها أو أيا يكن يكون جنبها في الولادة، بس الدكتور مش عايز صداع، فيرفض، رغم إن وجود المرافق حق للمرأة دي، وحاجة مهمة جدا لصحتها النفسية.
ظاهرة العنف التوليدي في مصر
– في مصر كما في كثير من بلدان العالم التالت، الأمور مش بتقف عند كل الانتهاكات أو الأخطاء السابقة، وإنما بيصل الأمر أحيانا إلى الإساءة والإهانة المتعمدة، سواء بالشتيمة والصراخ في المريضة علشان تسكت، وصولا لضرب المريضة، أو إيذاءها بأدوات طبية!
– احنا مش بنتكلم عن أوهام، احنا بنتكلم عن أبحاث علمية سجلت شهادات، وشفنا كلنا مقطع فيديو سجل شهادة الطبيبة فريدة محجوب اللي عملت عدة دراسات عن هذا الأمر في مصر، وكشفت مدى انتشاره وأثره المدمر على الصحة النفسية والجسدية للستات في تجربة الولادة.
– نيجي بأه لنقطة بعد الولادة، الست اللي تعرضت للأذى ده، أو حتى لم تتعرض، معرضة إنها تصاب باكتئاب بعد الحمل، فتبأه مش قادرة ترعى مولودها الرضيع.
– للأسف احنا زي كتير من المجتمعات الأخرى، منعرفش ثقافيا إن فيه حاجة اسمها كده، وبالتالي بتبدأ الست بدل ما تلقى الدعم من اللي حواليها، لا، دي كمان تلقى تأنيب يزيد حالتها سوءا: إنتي مش واخدة بالك من ابنك، إنتي لا تصلحي كأم!
– الوضع ده خطير، وممكن يوصل بالست لإيذاء نفسها أو مولودها أو زوجها، وممكن يوصل بيها للذهان أو ببساطة فقدان صوابها وعقلها.
الدكاترة مش قبيلة
– منظمة الصحة العالمية وهي بتدرس الظاهرة دي قررت تشوف مدى انتشارها من خلال دراسة في أربع بلدان: غانا وغينيا وميانمار ونيجيريا.
– نتائج الدراسة بتقول إن أكتر من تلت النساء تعرضن لسوء المعاملة داخل منشآت الولادة، 41٪ سوء معاملة، 11٪ عنف جسدي، 31٪ عنف لفظي، 59٪ فحوص مهبلية بدون موافقة المريضة، 75٪ شق عجان بدون موافقة واضحة من المريضة.
– دراسة تانية أعدها مجموعة من الأساتذة ونشرتها المجلة الدولية لطب النساء والتوليد، فحصت 25 دراسة تم إجراءهم في سياقات مختلفة على العنف التوليدي، ووجدت من الفحص ده إن العنف التوليدي منتشر بنسبة 59٪ في المتوسط، وخاصة في شكل تدخلات بدون موافقة المريضة وده بيحصل بنسبة 37٪.
– الوضع في مصر مش مختلف كتير، وده يعرفه كل الأطباء المنخرطين وذوي الصلة بعمليات التوليد في مصر، وعلشان كده مهم إن الأطباء ميفكروش بمنطق القبيلة والإهانة وحماية الزملاء، وإنما بمنطق إن فيه حاجة مش مظبوطة، مش علشان الأطباء وحشين، ولكن علشان احنا مش منتبهين لخطورة الظاهرة دي.
– ودور الأطباء هنا ونقابة الأطباء ووزارة الصحة وإدارات المستشفيات وإدارات الجامعات مش التعتيم والتكتيم خوفا من الوصم، وإنما مواجهة الظاهرة دي بأسلوب مناسب.
– الأسلوب ده مش معناها ندبح الدكاترة أو غيرهم، أول مواجهة إننا نحسن التعليم الطبي للأطباء والممرضات ومقدمي الخدمة عموما: ده غلط، ده محتاج موافقة من المريضة، ده ميتعملش غير في الضرورة اللي هي كذا، من حق المريضة تشتكي، تزعق، تطلب مرافق.
– بعد كده، لازم إدارات المستشفيات توفر الآليات المناسبة لضمان كل ذلك، بما في ذلك مثلا اصطحاب مرافق أثناء الولادة.
– وفقا للدراسة اللي اتكملنا عنها، واللي رابطها في التعليقات، إن وجود ممرضة مدربة على رعاية السيدات في الولادة بيقلل نسبة حدوث العنف التوليدي بشكل فعال، فعندنا أهو مسار واضح للحل.
– في الآخر تيجي آلية الشكوى والعقاب، الست لازم تكون عارفة حقوقها من خلال التوعية الطبية في الإعلام وفي المستشفيات نفسها، وفي مراكز الرعاية الأولية (الوحدات الصحية)، وتعرف إنها لو تعرضت لإساءة أو إهانة إو انتهاك، تشتكي إزاي؟
– الهدف من ده إننا نطور نقاشنا من معارك ثنائية: المجتمع ضد الأطباء، أو اللي بيحبوا مصر ضد اللي بينتقدوا مصر، لمنطق مختلف: منطق إيه هي المشكلة بالظبط وإزاي نلاقي لها حل علشاننا كلنا.




